2017-10-19

عن تفاعل الشخصيات الفلسطينية مع الإعلام الإسرائيلي


بقلم: د. حيدر عيد

مشكلة الظهور في الإعلام الإسرائيلي، وهو في غالبيته العظمى صهيوني، تكمن في تقديم المساعدة للرواية الصهيونية بطريقة ما من خلال الترويج لأسطورة ديمقراطية إسرائيل وادعاء ماكنتها الإعلامية بإبراز  الصوت "الآخر"، مع التغاضي عن المساحة المحدودة الممنوحة لهذا الصوت.

هذا من  ناحية، أما من ناحية أخرى فإن الحقيقة التي يعلمها القاصي والداني، فما  بالك بالمحللين والسياسيين، هي ارتباط المؤسسات الإعلامية بالأجهزة الأمنية في إسرائيل. أضف لذلك الترويج لفكرة أن الأمور بيننا وبين نظام الاستعمار الاستيطاني على ما يرام، وكل ما نحتاجه  فقط هو حوار تعمل أجهزتهم الإعلامية على توفيره..!

من الغريب أن هناك من لا زال يؤمن بعد 70 عاما من النكبة المتواصلة، وأكثر من 24 سنة من الحوارات واللقاءات أنه يستطيع ومن خلال مقابلات تلفزيونية أو صحافية مع الإعلام  الإسرائيلي "اختراق" مجتمع الأبارثهيد  الذي، ضمنيا، يبدو أنه لا يعرف ما الذي يمارسه ضد 11 مليون فلسطيني. فلقد تبيّن على الدوام أنّ المكاسب النظريّة المتوقعة لهكذا مقابلات لطالما كانت بائسة، في أحسن الأحوال، في إثارة "الانشقاق الداخليّ الإسرائيليّ"، بينما الضرر كان أكبر بما لا يقاس.

والحقيقة هي، كما تقول الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، أن التفاعل المباشر مع وسائل الإعلام الإسرائيليّ "يعطيها طابعَ الشرعيّة الفلسطينيّة التي تثبّت مزاعمَه "الليبراليّة" الزائفة. وهذا بدوره يضفي صدقيّةً على تغطيته المهيمنة، التي تبقى منحازةً وغيرَ مهنيّةٍ وغارقة في العنصريّةً والكراهية ضد العرب و(الفلسطينيين). وذلك ثمنٌ باهظٌ يدفعه المثقفون والأكاديميون والسياسيون الفلسطينيون، دون أن يوازَى بأيّة مكاسبَ ملموسة وذات شأن يمكن أن تُجْنى، كما تقول الحملة.

ظاهرة جديدة بدأت بالتبلور بين كتّاب ومحللين محسوبين على التيار الإسلاموي دفاعا عن الظهور على وسائل إعلام إسرائيلية وتبرير ذلك، وكأنه اكتشاف جديد لم  يسبقهم إليه البعض بفترة  طويلة، من خلال ادعاء "تحدي الرواية الإسرائيلية" و"إيصال الصوت الفلسطيني" وإحداث "اختراق للمجتمع الإسرائيلي".  ثم، وبضربة  استباقية، يتم  التصريح بأن ذلك ليس تطبيعاً، مع عدم معرفتهم بتعريف  التطبيع الذي صدر عن الغالبية الساحقة للمجتمع المدني الفلسطيني ويلتزم به الكل الفلسطيني إلا  بعض الأصوات النشاز. كما أن هناك معايير محددة للمقاطعة قامت  الحملة  الفلسطينية  للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل بصياغتها وتم اعتمادها من اللجنة الوطنية للمقاطعة، أوسع تجمع للمجتمع المدني الفلسطيني.

بشكل عام، إن التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية المستفيدة  من نظام الاضطهاد المركب مرفوض بالكامل إلا اذا كان تطبيعاً قسريًا تفرضه حقيقة  كوننا نرزح تحت احتلال قمعي. وأي تعامل طوعي مع أي طرف إسرائيلي يجب أن يتوفر له  شرطان: أن يكون الطرف الإسرائيلي معترفاً  بحقوقنا  التي يقرها القانون الدولي، وأن يكون المشروع في إطار المقاومة المشتركة. فما الذي توفر في  هذه المقابلات؟ ولماذا الإصرار المكرر على تحقيق "اختراقات" لم نر أي  نتائج  إيجابية لها على الصعيد الفلسطيني، وأن كان الطرف الآخر لا شك استفاد منها.

ومن المعروف أن الإعلام الإسرائيلي الصهيوني، حيث أن الإعلام الإسرائيلي غير الصهيوني شبه معدوم، يلعب دورا كبيرا في شيطنة ونزع إنسانية الفلسطيني و تبرير جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل، كما حصل خلال الحرب على غزة. وكما تقول الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية لإسرائيل في تعليقها على هذا الموضوع فإن الرقابة العسكرية المهيمنة والرقابة الذاتية التي يمارسها الإعلام الإسرائيلي يكرّسان دوره بالمجمل كبوق لخدمة هذا النظام، فإن هذا الإعلام هو على أرض الواقع غير مهني وعنصريّ وتسوده الروح الاستعمارية، رغم بعض الأصوات النادرة هنا وهناك التي تسبح عكس التيار.

وعليه فإن الحملة ترى أنّ التفاعل المباشر (إعطاء المقابلات أو كتابة مقالات الرأي، مثلاً) من قبل الشخصيّاتُ الثقافيّة والأكاديمية والسياسية العربيّةُ (بمن فيها الفلسطينية، باستثناء فلسطينيي أراضي العام 1948) مع الإعلام الإسرائيليّ المتواطئ "يسبّب ضررًا يفوق الفائدةَ المُتَوخّاة بكثير، بغضّ النظر عن النوايا." ونتيجة لذلك "تحثّ الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل المثقفين/ات والأكاديميين/ات والسياسيين/ات العرب (بمن فيهم/ن الفلسطينيون/ات) بعدم النشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية المتواطئة أو إجراء مقابلات معها".

ولكن من الواضح أن المدافعين عن الظهور على وسائل إعلام إسرائيلية التي عادة ما تجمع على العداء لكل ما هو فلسطيني يريدون أن يروجوا لسياسات جديدة ينتهجها التيار  الذي ينتمون  إليه. فأحدهم يفتخر بظهوره في برنامج حواري مع ضيف  إسرائيلي وآخر، معروف بتأييده غير المحدود للمقاومة، يكتب مدافعاً عن هذا التوجه الجديد "للمقاومة" التي من الواضح لم  تعد تشمل مقاطعة  نظام الاستعمار الاستيطاني والأبارثهيد.

يبدو أن مفهوم المقاومة قد تمت مراجعته ضمن التنازلات الخطيرة التي قامت بها حركة  "حماس" واعترافها ضمنيا بإسرائيل وقبولها بحل  الدولتين، من خلال الموافقة على دولة البانتوستان على حدود الـ  67. وهذا يتطلب خطاب جديد يشرعن التعامل مع إسرائيل.

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com