2017-10-17

الاهبل..!


بقلم: عيسى قراقع

الاهبل يقرأ صحيفة "القدس" يوميا، ما اصعب الصفحة الاولى، صفحة حرب حقيقية تكثف في عبارات او كلمات سوداء، وما تحت العناوين والاخبار دماء وشهداء وتوتر وتظل الاعصاب مشدودة ومستنفرة، ويوميا ترى الاحتلال بوضوح من على وجه هذه الجريدة.

الاهبل يقرأ: اصابات بالرصاص الحي والمعدني واختناقات بالغاز في المسيرات ضد الاستيطان، والاعلان عن بناء 3000 وحدة استيطانية في مستوطنة غيلو و123 وحدة في مستوطنة بسغات زئيف، يختنق الاهبل وهو يبحث عن مكان يمر منه الهواء الى رئتيه دون غبار وصدى صوت جرافات.

الاهبل يقرأ: حارس اسرائيلي يعمل في بلدية القدس يشطب اسم السيد المسيح الذي كتب على حجر تاريخي في مبنى المدينة، فيتساءل كم مرة يصلبون اليسوع؟ لازالت الاجراس تدق في ساحة الميلاد، الخوف على المذود والنجمة وعسل التاريخ في خبز البيت والبرهان.

الاهبل يقرأ: وزارة التعليم الاسرائيلية تستدعي مديرة في مدرسة ام الفحم بسبب اغنية دمي فلسطيني، يفور دم الاهبل، لا سلام في المدرسة الاسرائيلية، التطرف والعنصرية والحقد على الآخرين، لا خط اخضر ولا علم فلسطيني، البحر صار لهم والدلعونا صارت لهم، ولا زالوا يلاحقوننا في المناهج والاناشيد.

الاهبل يقرأ: والدة الاسير تامر قديح سكان خانيونس تلتقيه لأول مرة منذ 12 عاما، وزوجات وامهات الاسرى المؤبدات يقلن  ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى، يتحسس الاهبل قيوده، ينظر من زنزانته المعتمة، لحم بشري على الحيطان، سعال ودم وجوع وشمس تطل من بعيد.

الاهبل يقرأ: اسرائيل تعيد حكم المؤبد بحق المسن الاسير يوسف ابو الخير 72 سنة، سكان عكا بعد 34 عاما من اطلاق سراحه عام 1983، ويضيف الاهبل ان 54 اسيرا آخر اعيد اعتقالهم والاحكام السابقة عليهم، انها دولة قراصنة خطفت المحررين، وشرعت قوانين تعسفية لم تناقشها هيئة الامم المتحدة ولا برلمانات العالم، المؤبد يتغلغل في الحياة، وما حولنا نفوس صامته او ميتة.

الاهبل يقرأ: المحامي عكة يقول ان شهر ايلول الماضي هو الأسوأ على الاطفال الاسرى ومطالبات بإنقاذ حياة الاسيرين خالد الشاويش وسامي ابو دياك، وقد رأى الاهبل بأم عينيه حملات الاعتقالات الواسعة للقاصرين، لا أحد منهم الا ويدان مسبقا، لا أحد منهم الا ويتعرض للضرب والتعذيب، هي حرب على الطفولة الفلسطينية، اطفال يكبرون بسرعة بين الحديد والحديد، ومرضى يموتون ببطء، امتلأت أجسامهم بالامراض، معلقين بين الموت والحياة، لا طبيب ولا نعش ولا دواء.

الاهبل يقرأ عن حلول الذكرى الـ 37 لرحيل الشاعر عبد الكريم الكرمي (ابو سلمى)، يستعيد غضبه الملتهب، وكم نحن بحاجة الى ذلك الغضب وهو يقول:

انشر عن لهب القصيد
شكوى العبيد الى العبيد
شكوى يرددها الزمان
غدا الى أبد الابيد

الأهبل يقرأ: تواصل اقتحامات المستوطنين للاقصى وتصاعد الاعتداءات في الضفة، ومستوطنون يقتحمون الاقصى وبرك سليمان ومناطق اثرية في سبسطية وقراوة بني زيد، ومستوطنون يسرقون ثمار الزيتون جنوب نابلس، يرتجف الاهبل انها دولة مستوطنين حاقدين، فالأرض والشجر ودور العبادة مستباحة لهم تحت غطاء جيش الاحتلال، دماء كثيرة، ارض تتوجع، صلاة لا تكتمل.

الاهبل يقرأ: الطفل الاسير الجريح هيثم جرادات في وضع صعب، والاسير معاذ عبد ربه يشتكي من معاناة نقله في البوسطة، واعتقال خمس اطفال في الخليل، الاهبل يجلس على الكرسي الحديدي في سيارة البوسطة داخل القفص، قوات النحشون تنهال عليه ضربا، رحلته من السجن الى المحكمة تستغرق عشر ساعات، لا طعام ولاماء، يشعر ان الشعب الفلسطيني منذ خمسين عاما محشورا في سيارة بوسطة اسرائيلية تنقله من مكان الى مكان مهانا ومذلولا، ولم يصل الى اي مكان.

الاهبل يقرأ: الاحتلال يستهدف المزارعين ورعاة الاغنام على حدود غزة، والطائرات بدون طيار تلاحق الفلسطينيين من سبع اتجاهات، وقصف مدفعي اسرائيلي على غزة، وملاحقة الصيادين في بحر القطاع، تذكر الاهبل ما قاله محمود درويش: الزمن في غزة شيء آخر، الزمن هناك لا يأخذ الاطفال من الطفولة الى الشيخوخة ولكنه يجعلهم رجالا في اول لقاء مع العدو، انه اسلوب غزة في اعلان جدارتها بالحياة.

الاهبل يقرأ: الشاعر فوزي البكري صوت الفقراء والمهمشين يحذر من تفريغ القدس القديمة وهو يصرخ في الساحات:

ماذا في بيت المقدس
غير الألم وغير الفقر وغير الجوع
ماذا في بيت المقدس
غير الاقصى
بيتا لمساكين الارض المحتلة مرفوع

الاهبل يقرأ عن حلول الذكرى 36 لاستشهاد الكاتب والقائد ماجد ابو شرار، يفتح الاهبل قصة الخبز المر،ّ يتابع حكاية العامل الشقي ابو خميس الذي يعمل في منجم فوسفات ليعيل اسرته، يصاب بالسل، يتمنى بحرارة ان لا يموت، لكن المرض بدأ ينتصر ونوبات السعال ملأت القصة ورغيف الخبز، ولا زال العمال يصطفون طوابير طويلة امام الحواجز الاسرائيلية.

الاهبل يقرأ عن الصفقة الكبرى، صفقة السلام والمفاوضات، وقد صادق نتنياهو على بناء 3829 وحدة استيطانية في الضفة تتويجا لهذه الصفقة القادمة، العدوان القادم، المتنمرون الاسرائيليون والشبيحة المستوطنون يعلنون طقوس السلام العادل، التحكم والسيطرة وتعميق الاحتلال، والاحتفال بالاحتلال والاستيطان ومواصلة القتل، الموت الداخلي هو المطلوب بعد ان مات الشجروجرف وشوه جسد الارض.

الاهبل يقرأ ويقرأ، لم تنته الصفحة الأولى من جريدة "القدس"، شعر بالارهاق وبالتعب، الجريدة تطلق عليه الرصاص، الجريدة تعتقله وتقيد يديه، الجريدة تطرده خارج الدنيا، الجريدة تستفزه، تشعره بالعجز، لن يقرأ المقالات في الصفحات الاخرى، لا يريد اي تحليل او فلسفة فكرية، الاهبل جريح، تسيل منه الدماء، يجري في شوراعنا، يجلس على الرصيف، يشعر بالبرد والجوع، هناك شيء في داخله يموت ببطء، هناك جندي اسرائيلي يضع مسدسا على رأسه، الاهبل يستفيق، يجد نفسه معدوما او سجينا او لاجئا مطرودا، يتحدث مع نفسه، تشتعل بين يديه الجريدة.

الاهبل يقف امام غرفة الانعاش بالمستشفى، امه في الداخل في غيبوبة، تذكر آخر ما قالته له عن سيرة قوم بني هلال، وسباق العشاق للفوز بسعدى، الجميع قتلوا، وصارت سعدى وحيدة، ما أروع الوحدة الوطنية، ما اصعب ان تكون يتيما وحيدا امام هذه الجريدة.

* وزير شؤون الأسرى والمحررين- رام الله. - iqaraqe1@gmail.com