2017-10-15

تجريف تل السكن: جريمة حضارية..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

تحاول إسرائيل في سعيها لتغيير تاريخ فلسطين وسرقته وتزييفه وتهويده، وفي سبيلها لإثبات أن اليهود أقدم من العرب على أرض فلسطين، تحاول إنكار الأصل الكنعاني للفلسطينيين القدماء، وإنكار صفتهم العروبية الكنعانية، بالزعم انهم يعودون في أصولهم لجزيرة كريت، وانهم غزوا سواحل فلسطين حوالى القرن 12 قبل الميلاد، وبما يعني إن فلسطين كانت قبل تلك الفترة أرضًا لليهود. وتصل هذه الرواية المشوهة للتاريخ إلى ذروتها بمحاولة إلصاق اليهودية بسيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لإثبات أن فلسطين تعود ملكيتها لليهود منذ قرابة 4000 عام، فيما أن الحقائق الدينية والتاريخية تثبت أن سيدنا إبراهيم لم يكن نصرانيًا ولا يهوديًا، وإنما كان حنيفًا مسلمًا، وأن اليهودية لم تعرف كدين سماوي قبل سيدنا موسى عليه السلام، أي حوالى سنة 1500 ق.م. وأن أول مملكة عرفت في القدس كانت مملكة يبوس الكنعانية التي كان يحكمها الملك ملكي أو مليك صادق  التي نزلها سيدنا إبراهيم عندما هاجر من حاران في العراق إلى أورشالايم (القدس بالكنعانية)، والتي سبقت المملكة الموحدة (مملكة داود وسليمان) بـ 1500 عام.

هذه المقدمة هي المدخل الطبيعي للجانب الآخر(المحزن والمؤلم معًا) من قصة "تل السكن" التي لابد وأن تستثير كل انسان فلسطيني يعي ويدرك أهمية الآثار في اثبات عروبة أرضه وتاريخه وتراثه.. لاسيما في ظل محاولة إسرائيل إثبات أن مدن الساحل الفلسطيني لم تكن كنعانية في أي وقت من الأوقات،  وأن سكانها كانوا يهودًا حاولت إحدى قبائل "شعوب البحر" (البليست)، السيطرة عليها وإخراجهم منها. لذا فمن الطبيعي أن ترحب وتسر إسرائيل بالأنباء التي تواترت عن قيام  الجرافات الحكومية  في قطاع غزة في تجريف أقدم موقع أثري كنعاني على الساحل الفلسطيني (تل السكن)، والذي يؤرخ للعصر البرونزي المبكر الأول (3000 – 3300 ق.م)، والعصر البرونزي المبكر الثالث (2250- 2600).

وقد عادت أعمال التنقيب في الموقع الذي تتراوح مساحته بين 100 إلى 200 دونم بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة عام 2005، لكنه لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه،  بسبب سيطرة "حماس" على القطاع عام 2007 وتوقف البعثة الفرنسية التي يترأسها عالم الآثار الفرنسي جون باتيست عن زيارته.

وقد  بدأت أعمال التجريف في الموثع الأثري الذي يعتبره باتيست أقدم موقع أثري في غزة- قبل بضعة أسابيع حين أقرّت جهات حكوميّة مشروعًا سكنيًا لموظفين حكوميين تعويضًا لهم عن مخصصات ماليّة لم يتلقوها، الأمر الذي أثار أزمة بين عدّة وزارات وجهات رسمية، تبادلت فيما بينها الاتهامات عن المسؤول عن تدمير هذا الموقع الأثريّ الذي سجل في اليونسكو كموقع أثري هام. لكنّ كل ذك لم يوقف أعمال التجريف والهدم التي استمرت حتى يوم السبت 14/10/2017.

ويقول د. غسان وشاح، أستاذ علم التاريخ في الجامعة الإسلامية، إن الموقع يعد من أوائل البقع التي أقامها الكنعانيون في فلسطين، وانه يحمل اسم (تل السكن)؛ لأنه أقيم من طين مجبولة بمادتي (الفحم والسكن).

ويقول الباحث الفلسطيني المتخصص في علم الآثار الأستاذ حسين مدينة إن "تل السكن" الذي يقع شمال مدينة الزهراء وعلى بعد 5 كيلومتر منها، هو مدينة إكتشفت مصادفة عام 1998 أثناء عملية الإنشاءات في مدينة الزهراء بغزة لأبراج الظافر، وتم العمل به من قبل وزارة السياحة والأثار الفلسطينية والبعثة الفرنسية لموسم واحد من أصل خمس مواسم أجلت  مع إندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، (بسبب نيران مستوطنة نتساريم المجاورة).

وقد تم العمل لموسم واحد في عام 2000 في الموقع عن طريق وزارة السياحة والآثار بالسلطة الوطنية الفلسطينية تحت إشراف د. معين صادق، وعادت أعمال التنقيب في الموقع الذي تتراوح مساحته بين 100 إلى 200 دونم بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة عام 2005، لكنه لم يحظ بالاهتمام اللازم  بسبب سيطرة حماس على القطاع عام 2007 وتوقف البعثة الفرنسية التي يترأسها عالم الآثار الفرنسي جون باتيست عن زيارته.

وتم الكشف عن طبقتين من النشاط الإنساني في الموقع حسب الباحث مدينة. وكان الهدف من تلك الحفرية  محاولة فهم طبيعة الوجود البشري في منطقة وادي غزة في العصر البرونزي القديم. إضافة إلى التعمق في فهم العلاقة بين مصر القديمة وجنوب بلاد الشام (فلسطين التاريخية) في تلك الفترة، وخاصة أن الموقع يوجد في منطقة الطريق الواصل بين مصر والساحل الفلسطيني حتى أقصى الشمال.

وقد أكد تقرير صادر في 8/9/2017 عن اللجنة العليا للتاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية في غزة ونشره المركز الفلسطيني للإعلام على أهمية الموقع من خلال الحقيقتين الآتيتين:
1. تل السكن هو واحد من المواقع القليلة في فلسطين التي تشهد على بدايات بناء المدن. ويستمد تل السكن أهميته لموقعه الاستثنائي عند بوابة مصر التي تستورد القمح من فلسطين.
2. كان تل السكن موقعًا استثنائيًا، محمي تمامًا بكثبان رملية منذ آلاف السنين

وقد كان لحملة  الاحتجاجات الواسعة التي نظمها المثقفون في قطاع غزة يوم الجمعة الماضي (13/10/2017)، ورفعهم عريضة لرئيس الوزراء رامي الحمد الله، أثرها في توقف أعمال التجريف. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فهذه الجريمة في حق تراث وتاريخ وحضارة فلسطين والتي تخدم مزاعم إسرائيل لا ينبغي أن تتم بلا عقاب، كما ينبغي لحكومة الوفاق الوطنية المبادرة بإصلاح ما خربته الجرافات، وإزالة الأضرار التي لحقت بالموقع وترميم ما يمكن ترميمه من الآثار التي أتلفتها الجرافات  التي لم تكن - مع شديد الأسف- إسرائيلية، وإنما فلسطينية لمنافع ومصالح حفنة من المنتفعين الذين يدعون الوطنية.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com