2017-10-14

المصالحة والإعصارُ القادمُ..!


بقلم: فراس ياغي

تريثت بعض الشيء قبل أن أكتب عن المصالحة وإنهاء الإنقسام، ليس بسبب وجود شكوك في عدم تحقيقها لا سمح الله، ولا إنتظار للوصول لإتفاق (تم في القاهرة) بين طرفي الإنقسام "فتح" و"حماس"، ولا لعدم قدرة على تحليل الواقع الموضوعي والذاتي الذي نعيش فيه وضمنه وخلاله.. ولكن لأن المشهد ككل يتطلب الملاحظة بما يستدعي ان تكون النظرة أكثر شمولية لواقع ملتهب في المنطقة، أو كما أسماه رئيس "التغريدات" (الهدوء الذي يسبق العاصفة).. منطقتنا التي تُعرف الآن بالشرق الأوسط وقديما بالشرق الأدنى لم تعرف الإستقرار يوما وتعيش جحيم النار منذ أن ظهرت مفاهيم القَداسَه والوعود الإلهيه برسم إنساني وديني مُعنّصَر، يستند لحكايات وحكايا أقل ما يقال عنها بأنها نسخة من "ألف ليلة وليلة" الخيالية لكنها واقعية في عقول من يحمل أفكار الأيديولوجيا اللاهوتية والمساكين الذين تم غسل دماغهم عبر قرون ولا يزال.

إذا مفهوم اللا رجوع لعهد الإنقسام مرتبط أكثر بالظرف الموضوعي منه بالذاتي لأطرافه، فحركة "حماس" وصلت لواقع ذاتي ناتج عن ظرف موضوعي يفرض نفسه بقوة ويتطلب الخروج من مأزق الحكم الذي وُضعَت فيه بطلب "قطري وتركي" بالأساس وبحجة المحافظة على سلاح المقاومة والحكومة الشرعية المُنتخَبة.. "حماس" إستلمت قطاع غزة وفق خطه مُحكمة لتدجينها من خلال وضعها على رأس المسؤولية في الحكم من جهة، ومن الجهة الأخرى فصل غزة عن الضفة، وكل ذلك كان برسم ودعم مادي "قطري إخواني" ورؤية "قطرية" وبتنسيق مباشر مع الإداره "الأمريكيه"، وهذا ما إعترف به وزير إعلام قطر حديثا في مقابلة مع إحدى وسائل الإعلام الأمريكية دفعا عن شبهة الإرهاب.. بالتأكيد كانت هناك رؤية أخرى في حركة "حماس" ترفض تلك السياسة ولكنها لم تستطع إيقافها، وحين تمكنت من القبض على قيادة الحركه بـ"إنتخابات ديمقراطية" عدّلت وبدأت تخوض سياسة جديدة أساسها الحفاظ على منهجية "حماس" كحركة تحرر وطني، فكان لا بدّ من التحرر من عبء الحكم، فإستغلت الظروف الموضوعية التي حولها وبدأت سياستها ضمن هذا الإطار.

حركة "فتح" التي تعاني من أوضاع داخلية صعبة أساسها فشل مشروع التسوية السياسية ومفهوم الدولتين والذي أدى لخسارة الإنتخابات التشريعية عام 2006 ولاحقا الإنقسام الذي أفقدها في كثير من الأحيان إتجاه البوصلة للحفاظ على الذات والحكم، ووضعها في هامش مناورة صعب ودقيق، فهي لم تجد الطريق بَعْد للوصول بمشروعها السياسي والوطني لبر الأمان، وفي نفس الوقت تبحث وبقوة عن البقاء على رأس الهرم السياسي الفلسطيني في السلطة والمنظمة ضمن واقع المصالح والإمتياز الذي فرض نفسه على الجميع خلال تجربة الحكم فيما بعد إتفاق "أوسلو" المقتول عمليا كنتيجة للإستيطان وعدم تطبيق بنوده من قبل الجانب الإسرائيلي، بل وتحكم "اليمين واليمين المتطرف" الإسرائيلي في الحكم والذي يرفض مفهوم ومبدأ الدولتين لشعبين، ورغم ذلك حاولت ولا تزال قيادة الحركة المتحكمة في السلطة والمنظمة وعبر المؤسسات الدولية إحداث إختراق نتج عنه قرار تاريخي تمثل في وضع فلسطين كدولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة -(قرار 19/67)، عدا عن الإنضمام للكثير من المنظمات الدولية.

وعلى الصعيد "الترامبي" والأقليمي هناك معادلات جديدة تفرض نفسها وتتطلب إحداث تغيير في طبيعة التحالفات خاصة بعد التدخل "الروسي" في سوريا والتحالف مع "إيران" والتوجهات "التركيه" التي تفترب أكثر وأكثر من الحلف "الروسي-الإيراني" والمدعوم من دول "البريكس" وعلى رأسها "الصين"، إضافة للإنتصار "العراقي" و"السوري" المدعوم من "إيران" على مخططات التقسيم الطائفية التي مثلتها حركة "داعش" الإرهابية وغيرها من التظيمات الإرهابية المدعومة بشكل مباشر وغير مباشر من الحلف "الأمريكي".. هذا جنباً إلى جنب المسألة "الكردية" والإستفتاء في غير وقته والذي تم في إقليم "كردستان- العراق" وما سيؤدي إلى نتائج كارثية جديدة أساسها الحروب والتمزيق، يُضاف إلى ذلك مُعضلة "كوريا الشمالية" التي لا حلَّ لها إلا بالطريقة "الكيم جونغيه" وإرتباط ذلك بمواجهة العملاق "الصيني" القادم لا محالة.

ضمن هذه الظروف، ظهرت المصالحة، وظهر إصرار حركة "حماس" في "غزة" على دفن الإنقسام وتسليم كل ما يتعلق بالحكم والمسؤوليه للرئيس "عباس"، هذا تم ويتم بمباركة أمريكية وإقليمية وبمسؤولية ومراقبة "مصرية" مباشرة، مما إستدعى من الطرف المقابل في "رام الله" لأن يمضي ولكن بخطوات سُميت "تدريجية".. إذا المصالحة مطلب أمريكي "ترامبي" وإقليمي تتطلّبه الإحتياجات لخلق تحالفات جديدة في منطقتنا وتستدعي إحداث نوع من الإختراق لعملية السلام الفلسطيني- الإسرائيلي كبوابه لسلام إقليمي أكبر يؤسس لمفهوم التحالفات الجديد، والذي سيؤدي لـ"حرب" إقليمية طاحنة لا يُعرف حجمها ونتائجها وقد تشمل كل المنطقة، بل وقد تتحول لـ"حرب عالمية ثالثة".

فلسطينيا، دفن الإنقسام مصلحة عليا ومصلحة وطنية بدونها لا يمكن تحقيق الغايات والأهداف الوطنية في التحرر والإستقلال، وفي نفس الوقت، فقد حققت حركة "حماس" في غزة مرادها وموقف جناحها العسكري بالتخلي عن مسؤولية الحكم ورمي الكرة في حضن "المقاطعة" في رام الله، خاصة وأنه ومهما كانت النتائج مستقبليا فلن تعود "حماس" لإستلام السلطة في "غزة" وستبقي الكرة في ملعب الفصائل ومعه الجمهور "الغزاوي" في حالة لا سمح الله فشلت عملية المصالحة، وحركة "فتح" و"المقاطعة" في "رام الله" لا خيارات أمامها سوى أن تمشي في طريق المصالحة ومحاولة عدم التسرع خوفا مما قد تحمله من إستحقاقات سياسية تتناقض مع ما ترفعه من ثوابت أساسها دولة مستقلة في حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس العربية، وتجد نفسها أمام إختيارات وإختيارات صعبة لا قدرة لها عليها.

يبدو، أن ما سيتم سوف يُحدث إنقلاب سياسي فلسطيني جديد، خاصة ان ما يُسمى بـ "صفقة القرن" كذبة كبيرة ووهم، والمطروح ليس أكثر من "مؤتمر مدريد ثاني" في بقعة جغرافية جديدة ستحدث انطلاقة للمفاوضات اساسها دولة مؤقتة بالحد الأعلى ووعودات إقتصادية (مفهوم السلام الإقتصادي) بالإزدهار لغزة اولا وما تبقى من الضفة ثانيا، يرافقه سلام إقليمي عربي – إسرائيلي.. هذه العاصفة "الترامبية" القادمة تتطلب الإسراع في المصالحة وعلى أسس وطنية ثابتة وشراكة فعلية قادرة على مواجهة الإعصار القادم حتما..!

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com