2017-10-04

الموقف الاسرائيلي من المصالحة الفلسطينية..!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

كان الصمت  الاسرائيلي مثيرا للدهشة تجاه ما يجري على الساحة الفلسطينية خاصة بعد ان اعلنت "حماس" من القاهرة حل اللجنة الادارية والقبول بشروط الرئيس عباس والتي على اثرها وصل موكب كبير قادما من رام الله برئاسة رئيس الوزراء رامي الحمد الله لترجمة ما تم الاتفاق عليه الى خطوات عملية.

التزام اسرائيل الصمت في حينه كان محيرا للكثيريين، حيث فسح المجال لتفسيرات وتأويلات كثيرة جميعها ينسجم مع ما يشاع بأن الفيتو الامريكي والاسرائيلي والدولى قد رُفع عن المصالحة وان هذا يأتي في ظل صفقة سياسية، اطلق عليها اسم "صفقة القرن".

التفسير قد يكون صحيحا ولكنه لا يلزم اصحابه بتقديم اي اثبات او معلومة تؤكد على ما يقولون.. عزز ذلك الموقف سماح اسرائيل لدخول هذه الاعداد الكبيرة من المسؤولين ورجال الامن والسيارات وربما الاسلحة المخصصة لحمايات الشخصيات.

لكن هذا الصمت لم يدم طويلا حيث عبر اكثر من مسؤول اسرائيلي كبير عن موقفه لما يجري وتحدث عن الشروط الاسرائيلية للتعامل مع هذه المصالحة ومخرجاتها، حيث  انفجر المسؤولون الاسرائيليون مرة واحدة في التعبير عن وجهة نظرهم وكذلك الاعلام الاسرائيلي الذي غطى مساحات واسعة لموضوع المصالحة الفلسطينية.


على اية حال، أهم ما قاله القادة الاسرائيليون عن المصالحة في اليومين الأخيرين، جاء على النحو التالي:

 نتنياهو الذي اختار ان يعبر عن الوقف الاسرائيلي من المصالحة في مستوطنة "معالية ادوميم" (الخان الاحمر) التي اقيمت بهدف فصل القدس عن مدينتي بيت لحم واريحا، وفصل شمال الضفة عن جنوبها. حيث عقد جلسة كتلة "الليكود" هناك لكي يؤكد على موقف الحزب الحاكم "الليكود" من تعزيز الاستيطان في رسالة تحدي للجميع، وقال فيما يتعلق بالمصالحه (اننا لن نقبل بمصالحة تكون على حساب وجودنا ولكي نقبل بهذه المصالحه يجب تفكيك سلاح "حماس" و الاعتراف باسرائيل وقطع العلاقة مع ايران التي تطالب بأرالتنا عن الوجود).

اما موقف نفتالي بينت زعيم حزب "البيت اليهودي"، وهو حزب يمثل المستوطنين واليمين المتطرف في اسرائيل، وهو عضو في الكابينت الامني المصغر وهو ايضا وزير التعليم والثقافة في حكومة نتنياهو. نفتالي بينت طالب بعقد جلسة طارئة للكابينت الاسرائيلي لاتخاذ قرار فوري بوقف تحويل اموال الضرائب للسلطة الفلسطينية بعد ان اصبحت حماس (الارهابية) جزء منها. واضاف ان الاستمرار  في تحويل عائدات الضرائب للسلطة يعني اننا نمول الارهاب. وعليه، هو ايضا حدد ثلاث شروط لهذه المصالحة، (اعادة جثث الجنود الاسرائيليين الذين قتلوا في عدوان ٢٠١٤ واعتراف "حماس" باسرائيل ووقف تحويل الاموال للاسرى في السجون الاسرائيلية).

اما افيقدور ليبرمان وزير الجيش في اسرائيل الذي عقب على جهود المصالحة بطريقة مختلفة عن سابقيه حيث قال ان ما يجري الان هو محاوله فاشلة من "حماس" و"فتح" للصراع على الموقف من الرأي العام الفلسطيني، حيث كلا الطرفين يريد ان يلقي باللوم على الطرف الآخر ويحمله مسؤولية الفشل.. واضاف ان الرئيس عباس يطالب بتفكيك سلاح "حماس" ويرفض نموذج حزب الله في لبنان، و"حماس" تقول ان هذا الأمر غير خاضع للنقاش وغير خاضع للمفاوضات ولن يقبلوا به ابدا، اذن كيف ستتم المصالحة؟ يتسائل ليبرمان.

اما موقف جدعون اردان وزير الامن الداخلي قال في مقابلة له مع تلفزيون الكنيست الاسرائيلي ان ما يجري هو مناورة من ابو مازن والسلطة الفلسطينينة ولا يوجد طلب اسرائيلي بالاعتراف باسرائيل ولكن هناك مطالبة اسرائيلية بما يتعلق بنزع "حماس" لسلاحها.

اذن، ما الذي يتم استنتاجة من هذه المواقف الاسرائيلية من المصالحة الفلسطينيية؟ وفي اي الظروف يمكن ان تغمض عينها وتقبل بها:

اولا: لن تقبل اسرائيل بمصالحة يبقى فيها سلاح القسام وسلاح المقاومة لان هذا يعني استمرار التهديد، ولكي تقبل اسرائيل ذلك يجب الاستجابة لمطلب تفكيك "حماس" سلاحها وتدمير ما لديها من صواريخ وترسانة اسلحة ومنظومة انفاق. ووفقا للتقديرات الاسرائيلية ان هذا الامر غير ممكن وان "حماس" لن تقبل بهذا الامر تحت اي ظرف من الظروف.

ثانيا: على "حماس" ان تعترف باسرائيل وتقبل بشروط الرباعية الدولية، وهذا ما عبرت عنه الادارة الامريكية على لسان مبعوث ترامب الخاص جرينبلات. وهذا ما طالب به نتنياهو ايضا.

ثالثا: وقف السلطة للتحريض وفقا للمفهوم الاسرائيلي ووقف تحويل الاموال للاسرى في السجون الاسرائيلية وخارجها كما عبر عن ذلك نفتالي بينت الذي طالب بعقد جلسة طارئة للكابينت لمناقشة هذا الامر واتخاذ القرارات المناسبة.

رابعا: ستستخدم اسرائيل ورقة الجنود الاسرائيليين الذين فقدوا في عدوان ٢٠١٤ كورقة ضغط ومساومة تستخدمها كما تشاء ووقت ما تشاء.

خامسا: الاصوات القادمة من اسرائيل هو التشكيك في نجاح هذه الجهود نتيجة اعتبارات كثيرة اهمها الموقف من سلاح المقاومة خاصة بعد المقابلة التي اجراها الرئيس عباس مع الاعلامية لميس الحديدي والتي تناولها الاعلام العبري باستفاضة كبيرة.

مع ذلك، الذي يعمل الفارق هنا هو الموقف المصرى الذي يبذل قصارى جهده ويلقي بكل اوراقه من اجل انجاز هذه المهمة وعدم فشلها، بدءا من الرئيس السيسي الذي فاجأ الجميع في القاء كلمة مسجلة امام مجلس الوزراء والحضور في غزة، اضافة الى قدوم وزير المخابرات  خالد فوزي بنفسة الى رام الله ومن ثم الى غزة حيث سبقه ضباط كبار من جهاز المخابرات والمشرفين عمليا على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه على  الارض.

ما تتمتع به مصر من علاقات مع السلطة ومع "حماس" و"فتح" وقنواتها المفتوحة مع اسرائيل يبقي بارقة الأمل قائمة في امكانية التغلب على العقبات واستمرار دواليب المصالحة بالدوران دون توقف.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com