2017-10-03

الزخم المصري في المصالحة


بقلم: عمر حلمي الغول

جمهورية مصر العربية دولة مركزية في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط الكبير. ولا يوجد قوة سياسية على المستوى العالمي يمكنها تجاوز الثقل الجيوستراتيجي للدور المصري في المشهدين المذكورين. أضف إلى ان الحضارة الفرعونية الممتدة في التاريخ لسبعة ألآف عام خلت أعطى لمصر مكانة عالمية عالية، لاسيما وان الحضارة الفرعونية تعتبر واحدة من أهم الحضارات الكونية. وعندما تتضافر العوامل الجيوبوليتكية مع عظمة الحضارة وعبقرية المكان، كما اشار د. جمال حمدان، فإن الأهمية الإستراتيجية للدولة المصرية العربية تتضاعف. وبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الموجود في مركز الحكم تحتل مصر ثقلها، مع الفارق والفارق الشاسع بين نظام سياسي وآخر وتأثيره على موقع ووزن المحروسة على الصعد العربية والإقليمية والدولية.

وعلاقة مصر مع فلسطين تتميز بمكانة عضوية وخاصة بحكم الجغرافيا والتاريخ ووحدة الدم والمصير المشترك شاء هذا الحاكم او لم يشأ، لإن الروابط بين الشعبين الشقيقين أعمق من كل القوى والقيادات ووسائل الإعلام بفروعها ومستوياتها المختلفة. والمرء هنا ليس في معرض الحديث عن مكانة مصر المركزية في المشهد الفلسطيني، وإن ما ورد آنفا، هو من باب التذكير لا أكثر ولا أقل. لإن بعض المراقبين حين يشار للدور المركزي المصري من قبل هذا المسؤول او ذاك الإعلامي، يكون رد الفعل المباشر "فلان مصري الهوى"، ولكن الحقيقة أعمق من الإنحياز او التعارض مع القاهرة.

وعود على بدء، فإن الزخم المصري الجلي في دفع عربة المصالحة الوطنية لم يأت من فراغ، ولا هو إندفاع عاطفي، ولا يقتصر على البعد الأمني المصري فقط، ولا هو ورقة يانصيب ولعبة حظ، ولا ايضا تطفل على المشهد الفلسطيني والقوى العربية والإقليمية التي حاولت وسعت للعب دور في عملية المصالحة الوطنية. إنما هو زخم في اللحظة السياسية الراهنة مستند إلى جملة من المعطيات والعوامل، منها:
اولا مكانة مصر المركزية في العالم العربي، وهي صاحبة الباع الطويل في صناعة السلام والحرب، والنهوض والنكوص في العمل القومي العربي عموما، ولفلسطين تحتل اولوية في الحسابات المصرية لإكثر من إعتبار؛
ثانيا بحكم الجيوبوليتك بين الدولتين والشعبين والتاريخ المشترك، ففلسطين جزء لا يتجزء من الأمن الوطني المصري، ومصر ركيزة اساسية في الأمن الوطني والقومي لفلسطين والعرب؛
ثالثا منذ تم الإنقلاب على الشرعية الوطنية اواسط 2007 كلفت الجامعة العربية الشقيقة الكبرى متابعة ملف المصالحة، وعلى إثر ذلك قدمت مشروع الورقة المصرية 2009 التي وافقت عليها الشرعية الوطنية مباشرة في حين إنتظرت حركة حماس عامين كاملين حتى وافقت عليها في عام 2011؛
رابعا التحولات الدراماتيكية التي شهدتها مصر بعد ثورة يناير 2011، وما تلا ذلك من تطورات جاءت بحكم الإخوان المسلمين عام 2012، ثم ثورة يونيو 2013 بقيادة المشير السيسي، هذة التطورات أثرت على فاعلية الدور المصري نسبيا، لكنها لم تسقطه او تلغيه. ورغم التدخل من قبل قطر ومحاولات تركيا للدخول على خط المصالحة، غير ان كلا الدورين لم يرق لمكانة الدور المصري؛
خامسا الأزمات التي تعيشها حركة "حماس"، وإستثمار القاهرة لإوراق القوة المتوفرة في يديها بعد التغيرات في مركز القرار الحمساوي، سهل عليها إستعادة الزخم في ملف المصالحة؛
سادسا هزيمة مشروع الإخوان المسلمين في الساحات العربية، وإنكفاء الدور القطري والتركي على حد سواء، وإبتعاد حماس عن إيران، وإضمحلال تحالفاتها العربية، وعدم تمكن بعض الدول من حمل مركز "حماس" على اراضيها، ضاعف من حجم ازماتها المالية والتنظيمية وصراع الديكة فيها بالإضافة لصراع الأقاليم على مركز القرار، جميعها وضعت صانع القرار الحمساوي في مأزق حقيقي؛
 سابعا  الإقرار العالمي بما في ذلك إسرائيل بضرورة طي صفحة الإنقلاب الحمساوي، وإعادة غزة لحاضنة الشرعية الوطنية. لاسيما وان الإقليم مقبل على تطورات عاصفة، تلازم ذلك مع إمكانية طرح الصفقة الأميركية الكبرى؛
ثامنا إقرار اهل النظام العربي الرسمي والعالم بضرورة تحمل نظام الرئيس السيسي ملف المصالحة دون غيره؛
تاسعا حاجة مصر الأمنية الوطنية والقومية لدرء اخطار التنظيمات التكفيرية في محافظة شمال سيناء خصوصا ومصر عموما، وضمان ظهير فلسطيني قادر على تأمين الخاصرة المصرية الرخوة والضعيفة، الذي يتمثل بالشرعية الفلسطينية وليس بحركة "حماس"؛
عاشرا تعزيز المكانة المصرية في المشهدين العربي والإقليمي من خلال إمساكها بالورقة الفلسطينية.

كل هذة العوامل شكلت الأرضية الأساسية للزخم والثقل المصري غير المسبوق لدفع عربة المصالحة الفلسطينية للإمام، وعدم السماح للمعيقات وعوامل الإحباط من ترك آثارها على عودة محافظات الجنوب إلى حاضنة الشرعية الوطنية برئاسة الرئيس محمود عباس.

هذا الإندفاع المصري غير مسبوق من حيث الشكل والمضمون، الذي تمثل لإول مرة منذ الإنقلاب بإرسال القاهرة وفدا أمنيا رفيع المستوى برئاسة الوزير خالد فوزي، رئيس جهاز المخابرات للإشراف على تسلم حكومة رامي الحمدلله لمهامها، وترافق ذلك مع توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة خاصة بالمناسبة تم بثها مع المؤتمر الصحفي المشترك بين رئيس الحكومة الحمدلله والوزير فوزي في مقر مجلس الوزراء بغزة يدلل على الإصرار المصري بالقاء الثقل السياسي والأمني والمعنوي لإنجاح المصالحة الوطنية.

وهذا الجهد والنشاط المكثف من قبل نظام المشير السيسي يحظى بالقبول والرضى والدعم الفلسطيني، وهو محل إرتياح وترحيب من قبل القيادة الشرعية والنخب والقوى السياسية وحتى حركة "حماس"، ولو رغما عنها، او ترحيب على مضض، لإنها لا تملك سوى الإنحناء للعاصفة التي أحاطت بها من كل جانب.

شكرا لما قامت وتقوم به الشقيقة الكبرى. وهذا ليس جديدا عليها، بل هو جزء أصيل من تاريخ مصر العربية تجاه فلسطين، قضية العرب المركزية، ومن يستحضر على الأقل تاريخ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي مرت ذكرى رحيله الـ47 قبل ايام، يستطيع ان يدرك جيدا جدا الأهمية الإستراتيجية للدور والمكانة المصرية في فلسطين والعالم العربي على حد سواء.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com