2017-10-03

المصالحة ومهمات المجتمع المدني


بقلم: محسن أبو رمضان

شهدت غزة هذه الايام حالة واسعة شعبية وعفوية الطابع من البهجة والسرور عندما وصلت حكومة د. رامي الحمد لله إليها مستبشرة مرحلة جديدة تؤدي إلى انهاء الانقسام مرة وإلى الابد والعمل على استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وطنية وديمقراطية بالوقت الذي تدفع منظمات المجتمع المدني طرفي الخلاف "فتح وحماس" باتجاه ترجمة بنود اتفاق القاهرة 2011 واعلان الشاطئ 2014 وغيره من الاتفاقات التي وصلت تطبيقاتها إلى طريق مسدود بسبب الانشداد للرؤية الفئوية والحسابات الذاتية التي كانت تراهن على المتغيرات الاقليمية أو الدولية لتصب لصالحها، فإنها أي منظمات المجتمع ترى بأن المصالحة يجب ان ترتكز إلى استعادة بناء وتفعيل المؤسسات الجامعة لشعبنا وفي المقدمة من ذلك المجلس التشريعي الذي يجب ان يعاد تفعيله من جديد بما يتطلب اعادة النظر بالقوانين والقرارات التي تم اتخاذها اثناء فترة الانقسام والتي مست بصورة جوهرية قضيا الديمقراطية وحقوق الانسان والتنمية، وأدت إلى فرض آليات من الإدراة المركزية التي غابت عنها اسس وآليات الرقابة والمشاركة.

كما بات من الضروري الدفع باتجاه اجراء الانتخابات العامة وفق قانون التمثيل النسبي الكامل، حيث عطل الانقسام من المسار الديمقراطي، الامر الذي يستلزم العمل على تجديد الشرعيات كافة التي تآكلت جراء انتهاء الفترة القانونية والزمنية لها، بما سيساهم بالضرورة باعطاء الحيوية من جديد لمضمون النظام السياسي بعيداً عن آليات الهيمنة والاستئثار وباتجاه يعمل على تحقيق الحكم الديمقراطي الرشيد والذي يستلزم إعادة هيكلة جهاز القضاء وابعاده عن التسيس الحزبي وضمان استقلاليته، كما يتطلب إعادة هيكلة مؤسسات السلطة على قاعدة مهنية ووضع الانسان المناسب بالمكان المناسب، فمن المعروف ان أغلبية موظفي السلطة يتبعون حركة "فتح"، أما اغلبية موظفي غزة ما بعد عام 2007 فيتبعون حركة "حماس"، حيث بات من الضروري العمل على اعادة هيكلة الجهاز الوظيفي بما يضمن دمج الموظفين العموميين بعيداً عن العلاقة بالحزب السياسي الحاكم أو المتنفذ، وهذا الخلل الحاصل بحاجة إلى وقت وجهد وتراكم لتصبح مؤسسات السلطة ذات طابع مهني وغير فئوي، بما يشمل ايضاً الأجهزة الامنية التي يجب تطبيق ذات المعايير المهنية عليها وان كان مفهوماً ابتداءً أن يجري التفاهم بين "حماس" و"فتح" عليها وعلى مؤسسات الوظيفة العمومية بصورة عامة، فإن الخطوات اللاحقة يجب ان تعمل على اعادة هيكلة وفق قانون الكفاءة وليس الولاء الحزبي او الشخصي بهدف اعطاء درجة مناسبة من العدالة حيث لا يوجد ذنب للإنسان الكفؤ والمهني الذي لا يوجد له متسع بالوظيفة العمومية ليس لذنب اقترفه بل لأنه لا يتبع أياً من الحزبين الكبيرين وبأنه مستقل مثلاً.

من الضروري ان تدخل منظمات المجتمع المدني في ورشة عمل حقيقية من خلال الاشتباك الايجابي مع وزارات الاختصاص بهدف عكس أولويات واحتياجات القطاعات الاجتماعية والانتاجية المختلفة وادماجها في استراتيجيات عمل الوزارات كما في خطة التنمية التي من الضروري ان تضع غزة في صدارة الاولويات والاهتمامات بعد عشر سنوات من الحصار والانقسام ادت إلى تدهور خطير في مستوى المعيشة وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة وانقطاع التيار الكهربائي لمعظم ساعات اليوم، وتعثر عملية اعادة الاعمار ..إلخ من المؤشرات التي اكدت من خلالها تقارير الامم المتحدة أن قطاع غزة سيصبح مكان غير ملائم للعيش في عام 2020، بما يساهم في خلق حالة من الانفراج تجاه معاناة المواطنين وبما يشمل حرية الحركة للبضائع والافراد واخراج القطاع من حالة العقاب الجماعي المفروض من قبل الاحتلال.

من المهمات الرئيسية لمنظمات المجتمع المدني بالمرحلة القادمة العمل على تثبيت المصالحة وصيانتها وضمان تطبيق بنودها وانجاحها عبر آليات الرقابة الايجابية والتدخل البناء وكذلك العمل على تحقيق الرقابة في اطار الشراكة مع وزارات الحكومة، وتفعيل أدوات المسائلة والمحاسبة والسعي الجاد باتجاه اعتماد انظمة وتشريعات وقرارات تنتصر لقيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية هذا الي جانب الدفع باتجاه تبنى رؤية سياسية وطنية جامعة تحمي قضية شعبنا من اية ترتيبات او تسويات وذلك على قاعدة ضمان حقوق شعبنا الثابتة والمشروعة وفق القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة وذلك بعيداً عن اية تصورات تنتهك من هذه الحقوق.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps