2013-02-12

خيارات ما بعد اللقاء الأخير..!!


بقلم: عدلي صادق

باتت كيفية إجراء الانتخابات للفلسطينيين في الخارج، واشتراطات "حماس" بخصوصها، هي سبب عودة المتحاورين في القاهرة بخُفي حُنيْن. و"حماس" في الواقع، لن تكون طرفاً في وحدة وطنية في الداخل أو الخارج، إلا في حال واحدة، وهي أن يكون لها التمكين الموصول بما أتيح لـ "الجماعة" من تمكين راهن، في بعض البلدان العربية. وستأخذنا "حماس" الى الخلاف تلو الآخر، على التفصيل تلو التفصيل، من الجزئية تلو الأخرى، الى أن تتوافر لها الميّزة التي تمحق الآخرين بغير حق ولا مناقبية. في هذه الأثناء، ستظل أمورنا معلقة لا تقوى على الحراك في اتجاه بناء المؤسسات، ولا حتى التجرؤ على أخذ المقتضى الأشد إلحاحاً، لوقف ذميمة، أو تصويب اعوجاج، أو إزالة مظهر مُسيىء..!

حركة "حماس" تريد أن تحقق، بالتدابير التي يمكن أن نسميها اتفاقاً، ما عجزت عن تحقيقه بالانقلاب الدامي المسلح. فبعد أن فشلت في غزة، وباتت كابوساً على صدر الناس، صارت الحافلة التي تختطفها هي موضوع التفاوض على المكاسب. وحتى إن أعطيت ما تُريد، فإنها لن تترك "الأوتوبيس" قابلاً للتشغيل بأي سائق يختاره الشعب، وإنما ستحتفظ لنفسها بالقدرة على الإكراه، في الوقت الذي تختار، بحيث تقرر وتنفذ بسهولة، دحرجة "الأوتوبيس" الى سفح الهضبة، بذريعة المقاومة والإسلام ثم تنفيس عجلاته، مثلما تتدحرج الآن أوطان شقيقة عزيزة، وتنام عجلاتها..!

رب قائل، إن هذه رؤية متشائمة للغاية. إنها كذلك فعلاً.  والأيام القليلة المقبلة ستحكم على هذه الرؤية وما إذا كانت واقعية ووجيهة أم العكس. فإن ذهبت "حماس" مع الأطراف الفلسطينية، الى تطبيق الاتفاقات في الداخل، على النحو الذي يعزز قدرة الكل الفلسطيني، على حل الخلافات المتعلقة بانتخابات الخارج؛ ستكون رؤيتنا متشائمة وفي غير محلها، بل ومعكّرة لصفو المياه الفلسطينية ومشككة بغير حق، في النوايا الحمساوية، وينبغي الاعتذار عنها. أما إن توقف كل شىء، بسبب اشتراط "حماس" بأن يوافق الجميع أولاً، على ما تريده في انتخابات الخارج التي تحتاج الى عامين على الأقل من الإجراءات؛ فإننا سنصبح بصدد طرف لن يصالح، إلا إذا كانت المصالحة هي المعادل الموضوعي للتمكين لها، والاحتفاظ بـ "الباص" المختطف لغايات تكتيكية..!

ربما هي ـ حين تشترط ـ تتوقع أن تتراجع الرئاسة والفصائل الفلسطينية، بقصد إزالة العقبة الماثلة للعيان. لكن "حماس" ستكون أعدت عقبة أخرى. وعندما يسافر الرهط الكبير من كل الأطياف، الى القاهرة، ليتفندق تفندقاً كاملاً، بما يعلمه الله من أكلاف، على أمل الاتفاق على الجدول الزمني للتنفيذ؛ سيُفاجأ الجحفل الفصائلي، بأن هناك خلافاً على تفصيل جديد، وستكون الابتسامات مشجعة على القول إن الأمور إيجابية لولا قضية إجرائية بسيطة. أي سيكون الحال تماما مثلما كتبنا، عن الطير الذي يُلهي الرعيان، ويغويهم بقفزاته المهذبة والقريبة، التي توحي بأن إمساكه سهل جداً. يبتعد الراعي عن غنماته فيما هو يلاحق الطير، ويا ليت النتيجة تقتصر على أنه لا يمسكه، وإنما تضيع الغنمات..!

مثلما قلنا، إن الأيام القليلة المقبلة ستحكم على الأمر. فإن تم التوافق على موعد انتخابات الداخل، الرئاسية والتشريعية، وتشكيل حكومة انتقالية، سنقول إن "حماس" ذهبت معنا الى عملية استعادة وحدة الكيانية الفلسطينية والى استئناف المسار الديموقراطي. وفي حال عدم ذهابها ـ وهذا هو الأرجح ـ سيكون من العبث ومن العجز ومن قصور النظر ومن المغامرة، التلكؤ في تشكيل حكومة البناء الوطني المقتدرة، والذهاب الى عملية ديموقراطية بدون "حماس" تضمن وجود مؤسسة التشريع والرقابة، لكي لا يستمر العمل الحكومي في غيابها، مع الشروع فوراً في عملية ترميم مؤسسات الجهاز الحكومي..!

نعلم أن الفتية الناطقين الحمساويين، ومن خلفهم شيوخهم، سيقولون إن خطوات كهذه تعزز الانقسام وأن "الأوامر" جاءت من أمريكا أو من "دايتون". أي إن المقص نفسه سيتهمنا بالقصقصة. فكلما جرى الحديث عن مجرد تعديل حكومي، حدث مثله عدة مرات في غزة؛ يخرج علينا المقص الحمساوي لكي يتهمنا بتكريس القسمة. هم يقصّون عندنا وعند غيرنا، وكلما أردنا أن نتدبر أمورنا، يقولون إن السلطة و"عباس" والجميع، يعززون القسمة. هنا، تقتضي شجاعة العمل الوطني عدم الاكتراث بما يرجفون. وإن قرروا الالتحاق بالكيانية الوطنية، سيكون البناء جديراً باستيعابهم على أسس دستورية وقانونية..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com