2013-02-09

غزو مالي.. سياسة إمبريالية فرنسية قديمة جديدة..!!


بقلم: عبدالحميد الشطلي

تؤكد حقائق السياسة، وفلسفة المصالح، ووقائع الحياة يوماً بعد يوم، صحة ما قاله الرئيس السوفياتي السابق ليونيد برجنيف في وجه الإمبرياليين على مختلف مسمياتهم وأسماؤهم في سبعينيات القرن الماضي، حينما قال (الإمبرياليون وحدهم من تجذبهم رائحة النفط، وليس السوفيات، وإن وصول سفن الأسطول السوفياتي للمياه الدافئة يهدف للحفاظ على التوازن الدولي والأمن والسلام الدوليين فحسب، وليس أي هدف آخر).

ما أشبه اليوم بالبارحة، فالإمبرياليون تجذبهم أطماعهم لغزو دول العالم، والغزو الفرنسي المالي لايبتعد لا قليلاً ولا كثيراً عما جرى ذكره والعالم قد شهد حربين عالميتين طاحنتين سقط فيها عشرات الملايين من الضحايا في صراع بين الضواري الامبرياليين لإعادة اقتسام العالم فيما بينهم.

وقد قُرأ هذا الأمر واضحاً في الأدبيات لكبار المفكرين الاشتراكيين منذ بداية القرن العشرين، فقد كتب فلاديمير إيلتش لينيين عن ذلك بشكل خلاق في كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" عموماً يقال "أن التاريخ يعيد نفسه مرتين مرة على شكل مأساة وأخرى على شكل سخرية"، وربما ينطبق هذا القول على الغزو الفرنسي لمالي أحد أفقر دول العالم والتي غادرتها فرنسا قبل حوالي خمسين عاماً، والسؤال لماذا هذا الغزو؟ ولماذا بهذا التاريخ؟ ولماذا فرنسا وليس أي بلد آخر؟ 

مالي وأي كانت المسوغات التي أطلقها فرانسوا هولاند تبريراً لغزوها هي (الحديقة الاستعمارية الخلفية لباريس)، ورغم تحديده ثلاثة أهداف للتدخل على الشكل التالي:
أولاً: التصدي لغزو الإرهابيين والذين سيطروا على ما يزيد عن نصف أراضي مالي بعد تفكك الجيش المالي أثر انقلاب 22 آذار، وظهور كلٍ من (جماعة أنصار الدين)، (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، (حركة التوحيد والجهاد)، و(الموقعون بالدم) واحتلالهم المدن المالية الرئيسة، بما فيها تمبوكتو، وتهديدهم للعاصمة باماكو.
ثانياً: منع سقوط باماكو بأيدي الإرهابيين، وحماية 6 آلاف فرنسي في مالي.
ثالثاً: استعادة مالي وحدة أراضيها، وقد أكد أن لاسبيل لتحقيق الأهداف السابقة إلا بالتدخل العسكري وأنه الحل الوحيد. 

واعتبر هولاند أن باريس لا تسعى، ولا تهدف للسيطرة على أرض، أو زيادة نفوذها وأن لا مصالح تجارية أو مالية لها، بل تقديم مساعدة لبلد صديق على حد زعمه.

لا شك في أن الغزو الفرنسي لمالي جريمة إمبريالية جديدة تضاف لجرائم الإمبريالية الفرنسية والتي بين الفينة والأخرى ترتدي لبوساً ووجهاً جديداً ومهما قدمت من مسوغات وإن حصلت (فرنسا) على تغطية دولية وإقليمية لغزوها، فإنه في أحسن أحواله ليس إلا إعادة استعمار لبلد كان مستعمرة فرنسية حتى عام 1960م.

إن التطورات المتسارعة في غرب أفريقيا التي مست دائرة المصالح الاستراتيجية الحيوية لفرنسا، دفعت بها للعمل لإعادة بسط نفوذها وسيطرتها على الساحل الغربي الإفريقي، مستخدمة نفس الاستراتيجية الإعلامية، السياسية والدبلوماسية التي استخدمتها أمريكا في أفغانستان لتبرير غزوها ألا وهو الحرب على الإرهاب.

إن حصول التدخل الفرنسي على دعم أمريكا وعلى تغطية دولية بقرار مجلس الأمن رقم (2085) في كانون أول 2012، لا يغير في واقع حال قضية الشعب المالي شيئاً، فهي تتعرض للغزو بدواعي واهية كخيوط العنكبوت حتى ولو كانت اليافطة مواجهة تمدد خطر الإسلام السلفي لبلدان الساحل الغربي الأفريقي ومالي منها في القلب ليس فقط بسبب ثرواتها، بل أيضاً بسبب موقعها الاستراتيجي المتوسط ما بين بلدان النفوذ الفرنسي في النيجر والجزائر.

اليورانيوم حلم وولع كل الإمبرياليات في العالم خاصة الأمريكية وهي تحاول احتكاره ليس فقط لأرباحه الكبيرة فحسب، بل لما يرتديه من أهمية استراتيجية في مجال احتكار القوة النووية، ومن حيث أن أمريكا غارقة في أزمتها الاقتصادية وغير مؤهلة للمواجهة خارج حدودها القارية راهناً ، لابد من تدخل فرنسا ليتم لاحقاً تقاسم المصالح والنفوذ معها في أفريقيا، وعرقلة التقدم الصيني فيها، بعدما حققت الأخيرة نجاحات هامة.

وقد قررت الإمبريالية الفرنسية، أنها فرصتها لإيجاد مخرج من الأزمة الاقتصادية والتي تعصف فيها، بما أخذ يقوض حكم الاشتراكيين وأثر بشكل واضح في انخفاض شعبية هولاند، وهي خططت لاستحصال أرباح جديدة للاحتكارات الفرنسية، بما يضخ دماءً جديدة في اقتصادها المتداعي على حساب مصالح الشعب الفرنسي وشعوب الساحل الغربي الإفريقي.

إن مالي بالنسبة لفرنسا كعكة موارد شهية، جاءت الظروف، والتطورات لتجعلها لقمة سائغة في فم الإمبريالية الفرنسية.

إن انبعاث سياسات الغزو العسكري الاستعماري والتي شرعتها الإدارة الأمريكية بزعامة بوش الابن لم تجلب للدول في العالم إلا الدمار، واستعار التطرف الديني ونيران الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته، فماذا جلب 12 عاماً من غزو أمريكا لأفغانستان للشعب الأفغاني؟ وماذا تحقق للشعب العراقي منذ الغزو الأمريكي من العام 2003؟ وما سيتحقق للشعب المالي من الغزو الفرنسي؟ إن دعاوي محاربة الإرهاب يخلق المفارقات الصارخة من صراع يبنى على جثث الشعوب وبأموالهم وثرواتهم المسروقة من قبل الإمبرياليين، ويستولد التطرف والقتل والإرهاب، فالسياسات الإمبريالية تستولد العنف والموت والإرهاب في بلدان العالم كل يوم، إن لم يكن كل ساعة.

* كاتب فلسطيني وأسير محرر. - abdelhamidabuwesam@gmail.com