2013-02-08

ما بين الأسلوة والأسلمة..!


بقلم: د. حيدر عيد

مع استمرار الحديث هذه الأيام عن المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، وارتفاع الأمل بتوحيد ما أطلق عليه (شطري الوطن)، أي 20% من فلسطين التاريخية، وبالذات بعد الأداء المثير للإعجاب للمقاومة الفلسطينية في غزة، فإن العديد من الأسئلة يتم التغاضي عنها، أحياناً بدون بقصد، وكثيراً بوعيٍ تام نابع عن أيديولوجية تعبر عن مصالح الطرفين المتناحرين منذ فترة طويلة. 

ومع إنحسار خيارات السلطة الوطنية الفلسطينية المدعومة من قبل حركة "فتح" في الوصول إلى حل سياسي روجت له طويلاً، وانزلاق حركة "حماس" في مستنقع المشروع السياسي الأوسلوي من خلال مشاركتها في إنتخابات المجلس التشريعي، أحد أدوات السلطة الأوسلوية، وتدهور اليسار في عمليات الأنجزة المصاحبة لاتفاقيات أوسلو، فإن السؤال يتمحور الآن حول البديل الديمقراطي الذي لم يُصب بفيروس أوسلو التصفوي ولا قرينه (الإسلاموي).

وللتوضيح فإن قطاع غزة مر بالتجربة الأوسلوية بين عامي 1996-2005 ولا زال يخوض التجربة الإسلاموية منذ عام 2006. تميزت الفترة الأولى سياسياً بالحديث عن المفاوضات كأنجع الطرق للوصول لحلٍ سياسيٍ للقضية الفلسطينية على أساس ما إتُفق على تسميته (حل الدولتين)، أي من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة على 22% من أرض فلسطين التاريخية بجوار دولة اسرائيل بعد الإعتراف بها. وكانت منظمة التحرير قد قامت بالإعتراف بحق اسرائيل في الوجود في مقابل إعتراف الأخيرة بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني. وتوالت اللقاءات والحوارات بين (الطرفين)، غير المتكافئين في القوة، بدون الأخذ بعين الإعتبار الطابع الكولونيالي الاستيطاني لإسرائيل وسياسة التطهير العرقي التي مارستها منذ تأسيسها، وبنيتها العنصرية. وهكذا تم إعادة تعريف القضية بشكل يتناغم مع أقصى ما يطرحه (اليسار) الصهيوني: دولتين لشعبين، مع التغاضي عن عنصرين رئيسين في حق تقرير المصير: عودة اللاجئين وإنهاء الطابع العنصري للدولة العبرية.

وللترويج لهذه الفكرة تم ضخ كمية من الأموال المُسيَّسة في خزينة السلطة الوطنية تضمن شراء الولاءات وتضخيم الجهاز البيروقراطي المرتبط بها. كما تم تفريخ مجتمع متأنجز موازٍ لها، غير معادٍ لطروحاتها، يتميز بولائه لتنظيمات، كانت يسارية، وأصبحت خليطاً عجيباً من النيوليبيرالية الما-بعد-حداثية والستالينية النفعية..!

وعاش القطاع، والضفة، خديعة الإزدهار الإقتصادي التابع. فقد أصبح لفلسطينيي الـ 67 حكومة، رئيساً، ميناءً لم يتم تشغيله مطلقاً، مطاراً يُشرَف عليه من قبل اسرائيل، أجهزةً أمنيةً تحافظ على (الإستقرار) وتوظف كمّاً هائلاً من العاطلين عن العمل ومن الذين نشطوا ضد الإحتلال خلال سنوات الإنتفاضة المجيدة (1987-1993).

ووصل المشروع الأوسلوي الى نهاياته، على الرغم من محاولات الإنعاش التي تحدث بين الفينة والأخرى، مع انكشاف حقيقته في كامب ديفيد عام 2000 من خلال الصفعة المؤلمة التي وجهتها الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية للمفاوض الفلسطيني. فقد أصبح من الواضح في كامب ديفيد انه وبالرغم من كل التنازلات الفلسطينية التي تخطت كل الخطوط الحمراء، فإن مشروع الإستقلال لم يكن كما تم الترويج له فلسطينياً، بمعنى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس عاصمة لها. فحتى هذا التصغير غير المسبوق تاريخياً لفلسطين كان غير مقبولاً من (الطرف الآخر) الذي يريد (حصته) في البانتوستان/المعزل العرقي الجديد المنوي إقامته في الشرق الأوسط. 

وكانت إنتخابات المجلس التشريعي 2006 رسالة واضحة من سكان الضفة والقطاع ورد على ما تم الترويج له من (مفاوضات) و(حل الدولتين) العنصري، الفساد المستشري مع تطور، وتدهور، العملية السياسية المسماة بـ(مشروع السلام). كان هناك ربط في المخيلة الشعبية الفلسطينية بين هذه المصطلحات كلها وعملية الأسلوة التي بدأت منذ عام 1993. وكان القرار الشعبي بمعاقبة الحركة التي وقفت وراء هذه العملية وحلفائها من فصائل منظمة التحرير. وتم التصويت للطرف الذي تم التصور أنه البديل الوحيد القادر على إيقاف هذا التدهور، الطرف الذي اتخذ المقاومة شعاراً له طوال فترة وجوده في المعارضة.

لم تكن الشعارات الإسلاموية قد رُفعت عند فوز التيار الإسلامي. بل تم التأكيد مراراً وتكراراً على أن الحريات الفردية لن يتم التعدي عليها، وأن فهم الحركة للشريعة لن يتم تطبيقه، وأن الفساد سيُحارب، وأن الشراكة الوطنية هي أساس الحكم. كما تم التلميح بأنه سيُسمح لقيادة السلطة بالإستمرار في خطها التفاوضي..! ونتيجة للمشاركة في العملية السياسية الناتجة عن اتفاقيات أوسلو، فإن حركة "حماس" قامت بالتأكيد على قبولها بدولة فلسطينية على حدود الـ 67، أي على أساس حل الدولتين، بدون الإعتراف بإسرائيل، أو أنها، اي الحركة، لا تقبل بحل الدولتين..! وقامت بإرسال رسائل متناقضة في هذا الخصوص، فمن رسائل أُرسلت إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، إلى تصريحات صحفية لرئيس الوزراء ورئيس المكتب السياسي، يتم مناقضتها يتصريحات لقيادات أخرى، والحديث عن هدنة طويلة المدى، تم فقدان البوصلة وغياب الرؤية السياسية واضحة المعالم التي لا يمكن لأي حركة تحرر أن تنتصر بدونها.

صاحب كل ذلك إنصياع سريع لإغراء القوة (المزيفة) التي صاحبت تشكيل حكومة، بلا سيادة او سلطة حقيقية، شبيهه في بنيتها الأيديولوجية بسلطة أوسلو ولكن بغطاء ديني تبريري. وتم خلق طبقة ريعية طفيلية شبيهة بالبرجوازية الجديدة غير المنتجة وليدة اتفاقيات أوسلو. في كلا الحالتين، تميزت هذه الطبقة بعدم الإنتاجية ومحاولة الكسب السريع الناتج عن محدودية المُنتج الداخل الى القطاع وإحتكار السوق من خلال السيطرة على شريان الحياة الوحيد للقطاع المحاصر، اي الأنفاق التي تربط قطاع غزة بجمهورية مصر العربية. وتم التنصل من الأقوال السابقة عن عدم التدخل في الحريات الشخصية والسماح بحيز كبير من الديمقراطية التي كانت أساس وصول الحركة للحكم تحت حراب الإحتلال. وتم تطبيق قوانين، دون سنٍّها، من فرض للحجاب على المحاميات، ومنع عرض المانيكان (المغري) في المحلات، الى الطلب من المقاهي عدم السماح للنساء بتدخين الشيشة، و(إقناع) إدارة جامعة الأقصى الحكومية بفرض (لباس محتشم) على الطالبات (لمنع إظهار المفاتن)، واطلاق حملة (ترسيخ القيم والفضيلة) ضد الملابس (غير المحتشمة) لمكافحة ما أسمته بالزى الغربي للفتيات والشباب والتدخل في شكل الحجاب وطريقة لبسه ..الخ كما تم منع والإعتداء على العديد من المظاهرات حتى تلك التي تطالب بإنهاء الإنقسام، والهجوم على وفد من كتاب وفنانين أمميين ومصريين جاءوا للقطاع في إطار احتفالية فلسطين للأدب.. كل ذلك في إطار عملية تحول وانحدار نحو أجندة إجتماعية يمينية متزمتة، تلامس الوهابية، مصاحبة لتنازلات سياسية ترى في حل الدولتين/السجنين طريقاً للخلاص المؤقت، وإن كان على حساب 7 مليون لاجئ و1.2 مليون مواطن فلسطيني من سكان اسرائيل.  

وهكذا تحولت غزة من الأسلوة الى أسلمة.

 أوسلو وحل الدولتين والأجهزة الأمنية واتفاقيات باريس الإقتصادية تحولت الى (حكومة ربانية) و(هدنة طويلة الأمد) والموافقة على دولة على حدود 67 (مع عدم قبول حل الدولتبن..!) واقتصاد ريعي يقوم على التهريب عبر الأنفاق والحسنات التي يتم جمعها في العالمين الإسلامي والعربي، مع تنامي ظاهرة المحاباة والغنى الفاحش في مجتمع من أفقر المجتمعات على الأرض..! كل ذلك يتم الحفاظ عليه من خلال منظومتين أمنيتين في كلٍ من الضفة والقطاع، منظومتين من المفترض أن مهمتهما الوحيدة هي مقارعة الإحتلال وعدم المس بكرامة أي مواطن فلسطيني يعيش على هذه الأرض المباركة. ولكن تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية ترسم صورة مغايرة. 

والآن يًطلب منا أن نتوجه للتسجيل في السجل الإنتخابي تحضيراً لانتخابات جديدية للمجلس التشريعي. وفي هذه الإنتخابات الموعودة، والتي تصوَّرو كأنها الحل المنشود، لدينا خيارين لا ثالث لهما: إما الأسلوة أو الأسلمة؟!

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com