2013-02-07

الحاجة لثورات في الدين وليس على الدين..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لقد باتت الحاجة للإصلاح بالمعنى الشامل الذي يطال البنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية والقيمية أمرا حتميا، وزادت هذه الحاجة بشكل أكبر بعد الثورات العربية التي نجحت في وصول القوى الإسلامية بمختلف تياراتها وأرئاها الدينية والسياسية للحكم والسلطة، وهو ما فرض او أعاد التأكيد على دور الدين وعلاقته بمعضلة الحكم والسياسة، وأعاد من جديد جدلية العلاقة بين الدين والسياسة.

هذه الجدلية كانت قائمة في وقت أنظمة الحكم الإستبدادية والسلطوية التي أقصت القوى والحركات الدينية عن الوصول للحكم، من خلال وسائل كثيرة منها الإقصاء ومحاولة الإستيعاب والإحتواء، وبملاحقة وحظر كل أنشطة هذه الحركات، وبالمقابل قامت هذه الحركات باللجوء لكل الأساليب المتاحة لها لمناهضة أنظمة الحكم السلطوية ومحاولة إسقاطها إما بالعنف، أو بمحاولة المشاركة في الإنتخابات لإسقاطاها من الداخل، ومن خلال تقوية وجودها بالخدمات التي تقدمها لدى القاعدة العريضة من المجتمع والتي أهملتها أنظمة الحكم السابقة، وبالتالي شكلت للقوى الإسلامية قاعدة جماهيرية قوية إستفادت منها في مرحلة ما بعد الثورة، وبفوزها في الإنتخابات البرلمانية والرئاسية، وهزيمتها للقوى الليبرالية والوطنية الأخرى.

نفس الإشكالية بدأت تطفو من جديد في العلاقة بين القوى الإسلامية الحاكمة الآن والمعارضة السياسية الممثلة في القوى الليبرالية والعلمانية، وبدلا من التوافق السياسي بين كافة القوى في إطار نظام حكم توافقي ديمقراطي يشمل المشاركة السياسية في ظل مبادئ متفق عليها في إدارة الحكم والسلطة، وفي إطار التوافق على مبدأ المواطنة، بدأت تظهر من جديد نفس الإشكالية، ولكن بصورة أكبر وأكثر خطورة على مستقبل عملية التحول السياسي، والتي كان هدفها إسقاط أنظمة الحكم السلطوية والبدء بعملية إصلاح سياسي تقود إلى أفضل انظمة الحكم الممكنة والتي تتوافق مع خصوصية الحالة العربية. وهنا بدأت الإشكالية مقلوبة: قوى دينية في مواجهة قوى سياسية ليبرالية أو قوى سياسية تطالب بالدولة المواطنة المدنية، مقابل قوى دينية تدفع الدولة نحو دولة دينية كاملة، ونحو إلغاء وتجميد لكل المبادئ المتعارف عليها في أدبيات الإصلاح السياسي.. وبتوظيف للدين على حساب عملية الإصلاح السياسي، وهنا تبرز اشكالية العلاقة بين الدين والسياسة من جديد، وهي اشكالية مزدوجة، بعدها الأول ان عملية الإصلاح السياسي والتي كانت هدفا للثورات العربية لم تكتمل، وبقيت الحاجة ملحة لهذا الجانب من الإصلاح الضروري والحتمي والذي بدونه أيضا ستطول الفترة الإنتقالية، وستزداد إحتمالات تجدد الثورات العربية من جديد، ولكن في إطار بيئة سياسية قابلة للعنف وعدم الإستقرار. والبعد الثاني الفهم الخاطئ لدور الدين بإعتباره مكونا رئيسا من مكونات العملية والبيئة السياسية الجديدة، وبشكل أكبر من ذي قبل وذلك بالدور المعترف به بدور القوى السياسية الإسلامية وشرعيتها السياسية التي اكتسبتها من خلال العملية الإنتخابية الديمقراطية، لكن هذه القوى السياسية تفتقر للرؤية الدينية الصحيحة ، وتمثلت ما بين دور الدين في السياسة وبين الدين كعقيدة. لا احد يجادل في الإلتزام بها، ولا أحد يختلف على دور الدين كمحدد للسلوك السياسى للمواطن، إلا أن المشكلة تكمن في أن القوى الإسلامية لا تملك الرؤية السياسية لنموذج حكم أفضل مما هو قائم ومطلوب، وبعبارة أخرى ليس لها بديل لأفضل نظام حكم ممكن بديلا للنظام الديمقراطي الذي يعتبر أفضل أنظمة الحكم الممكنة التي توصل إليها العقل البشري لتنظيم حياته الدنيوية.

ومعضلة القوى السياسية أنها تحتمي بالدين دون أن تجتهد في تقديم رؤية للحكم يقبل بها الجميع، او على أقل تقدير نظام حكم يتوافق وأهداف الثورات العربية، فمفهوم الدولة الدينية المطلقة مرفوض ويتعارض مع متطلبات الإصلاح السياسي المتفق عليها في أفضل أنظمة الحكم الممكنة والتي تعبر عنها النظم الديمقراطية السائدة نماذجها في التجارب الغربية.  ولعل أول خطوة في طريق الإصلاح الشامل هو إزالة التناقض بين مفهوم الإصلاح السياسي، وبين الحاجة للإصلاح في مجال مفاهيم ورؤى الحكم من منظور الدين، وذلك بهدف الإلتقاء في دائرة مشتركة وهي دائرة أفضل أنظمة الحكم الممكنة.

والهدف الأساس لعملية الإصلاح هو الإبداع والتكيف والإنجاز، وهذا لا يتأتى إلا عبر إفساح المجال للعقل النقدي إن يأخذ دوره، والإبتعاد عن التقليد وإلإتباع المسلم به، فالعقل هو أعظم ما خلق الله ووهبه للإنسان، وهنا يكمن منطلق الإصلاح الديني بالتركيز على العقل، وإذا ما إلتقى هذا مع مفهوم الإصلاح الحداثوي وهو العقل أيضا تكون الحلقة المشتركة، ووظيفة العقل البحث عن الحلول الدنيوية للكثير من المشاكل الدنيوية، وأبرز هذه المشاكل وأعقدها هي مشكلة الحكم الذي يناسب خصوصية الحالة الإنسانية حيث توجد.

ولعل من المشاكل التي تواجه إشكالية الإصلاح الديني هو التمييز بين الإسلام كدين، والإسلام كمشروع سياسي، وجلب الإسلام للحداثة أم جلب الحداثة للإسلام. والإسلام كدين غير قابل للنقد، بل التركيز على الإسلام كأداة ووسيلة لتحقيق الحداثة والإصلاح. وهنا تتعدد النماذج الإسلامية، فالنموذج التركي يقوم على الجمع بين العلماني والحضاري والإسلامي، والإيراني يقوم على الديني بالمنظور الشيعي وولاية الفقية التي قد لا تتناسب والحالة العربية. وإلى جانب هذه النماذج توجد نماذج عديدة فاشلة كالنموذج الصومالي، والأفغاني، وهي دول فاشلة وضعيفة، والخوف في هذا السياق أن تتحول النماذج العربية إلى نماذج دول فاشلة وضعيفة.

ويبقى السؤال أين النموذج العربي والمصري خاصة القادر على تقديم نموذج للحكم الإسلامي بديل للديمقراطية كأفضل أنظمة الحكم الممكنة التي توصل لها العقل البشرى.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com