2013-02-06

أخونة القضية الفلسطينية..!!


بقلم: ساري جرادات

تحولت القضية الفلسطينية بين ليلة وضحاها من نموذج في الصمود والوحدة والنضال لحقل تجارب للبنك الدولي، عبر توظيف بعض الأسماء والأشياء لانجاز المهمة وتنفيذ البحث وإجراء الدراسات الميدانية عبر تسويق مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والبنية التحتية ومؤسسات الدولة.

حيث تحولت حياتنا إلى وعاء يضج بالهموم ومركب اختلط عليه الحابل بالنابل ولم نعد نميز بين الأبيض والأسود والصديق والعدو، وكأننا لم نخلق من سلالة من طين نسعى وننضب كل إرادتنا وطاقتنا لتحرير أرضنا من سرطان الاحتلال وملحقاته وكومبرادوره، ولسنا نطفة من أبوين تائهين في ارض فلسطين لقرار مكين، فخلق من النطفة علقة وكسى العلقة بالعظم والعقل وأمرنا بالعمل، الأمر الذي جعلنا نسجد ونركع صباح مساء لنعمة الفلسطينية التي كرمنا سبحانه وتعالى بها.

ديباجة حياتنا تمتلئ بالبقع الحمراء جراء الاستنزاف المتواصل لكل أشكال الحياة العادية والإنسانية والبعد عن حضن الوطن، والحرمان المتواصل من معانقة شوكه وزيتونه وياسمينه، لنتحول من أناس كرمنا الله بالرباط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، إلى أناس متخاصمين على وهم السلطة التي يتحكم بها كائن حي هاجر من أثيوبيا ليتحكم بمسار حريتنا وحركتنا وتنقلنا، حيث كشف تقرير مصور للتلفزيون (الإسرائيلي) بثه قبل سبع سنوات عن المهاجرين الأفارقة القادمين لدولة الاحتلال وهم يضعون الأحذية في ثلاجة الطعام كونهم لم يشاهدوها أو يتلمسوها في بلادهم، لكشف الجهل والتخلف الذي يسود أوساطهم.

الهجرة تعشش في عقول الشباب الفلسطيني، فباتت هجرة العقول والأدمغة والكفاءات إلى خارج الوطن أمرا مقبولا لدى الحكومة، والشباب الخريجون العاطلون عن العمل بتقدير جيد جدا وممتاز، يتوجهون للعمل في المحاجر والمقاهي وورشات البناء لتوفير لقمة العيش لاسترداد مئات الآلاف من الشواكل التي دفعوها مقابل الحصول على التعليم والتخرج، فيتقاضون راتبا من أرباب العمل يتبخر قبل نصف الشهر، ولا يكفي حتى لشراء ساندويشات الفول والحمص والزيت. 

حين تقطع ارزاق باعة البسطات البسطاء، ويصول ويجول الأطفال بين السيارات على حاجز قلنديا وأخواته، وحين تشتري رغيف الخبز ذاته من محلات مختلفة وكل تاجر يبيعه بسعر مختلف، ودون رقيب أو رحيم بالمواطن، وحين يعجز الشاب عن الزواج وتبقى الفتاة على قيد انتظار المجهول، وتمتلا البلد بمئات الأجانب وعشرات حالات التحرش والاغتصاب والسرقة، وتزيد الفتاوي والقوانين والتبعية الاقتصادية، ويقع المواطن بين عصا الصمت وسندان التخوين اعلم أن البنك الدولي هو من أوصلنا لهذه الحالة.

فمتى يا عزيزتي الحكومة سنعيش في وطن يمنحنا السعادة ويقينا برد الشتاء وحر الصيف ونرى الناس مبتسمة متسامحة تعيش في عصر استئصال الانقسام اللعين؟

متى ستختفي رائحة الجثث والضحايا والفساد والاختلاس والسطو وأصوات زمامير السيارات والاعتصامات والموت بحكم الشمعة؟ ومتى سننتصر على الأنانية والذات والعبودية والجهل والتخلف وتخفضي جناح ميزانيات وزرائك وسفرائك وانقطاع رواتبك ويعود الأطفال إلى مدارسهم؟ ومتى يعود للمواطن هيبته وللوطن قن دجاجه ورائحة خبزه في الفجر؟ ويعود إلينا أيمن وسامر وباسم ورفاقهم وإخوة قيدهم محررين لا شهداء؟

وبعد كل هذا التشاؤم والتشاؤل والمديح والغزل لا يسعني إلا الصلاة راجيا من السماء أن تتربع الوحدة والحرية والإنسانية على العرش، وان لا يمر مشروع أخونة القضية الفلسطينية في ليلة نفقد فيها البوصلة والوجهة الحقيقية لفلسطين.

* الكاتب اسير محرر. - sarijaradat@hotmail.com