2013-02-06

أرجوكم ساعدونا لكي نبول..!


بقلم: حسام زهدي شاهين

بعد أكثر من ثلاث سنوات على استئنافي ضد الحكم السياسي الجائر، الصادر بحقي، استدعتني ما تسمى "بمحكمة العدل الإسرائيلية العليا" للبحث في دعواي، وهذا يعني أنني سأسافر قبل يوم واحد من موعد المحكمة في رحلة طويلة وشاقة من السجن الذي أُحتجز فيه في شمال فلسطين ويدعى "سجن جلبوع" الواقع في منطقة "بيسان" بلوغاً لسجن "الرملة"، حيث سأقضي ليلتي فيه حتى الرابعة صباحا من اليوم التالي، الذي سأنقل فيه للمحكمة في مدينة القدس.

وفي مثل هذا الموعد من السنة، من البديهي أن تكون هكذا رحلة من أروع الرحلات التي يعيشها الإنسان بين المناظر الآسرة والخلابة التي تتمتع بها طبيعة فلسطين الجميلة، لولا أننا أسرى؛ وتمر عملية نقلنا بين السجون في كثير من التفاصيل المعقدة والقاسية، حيث يتم زجنا في مكعب حديدي مُكبلي الأقدام والأيدي قرابة التسع ساعات، وبالطبع لكم أن تتخيلوا تأثيرات البيئة "الحديدية" على أجسادنا ونفسياتنا خلال هذه الساعات، خاصة وأننا لا نستطيع التحرك إلا قعوداً ووقوفاً، ناهيكم عن أننا نعيش في خضم كانون ثاني الذي لم يتردد في جلدنا بسياطه الباردة اللاسعة، ومع ذلك تجدونا نتقوت قليلاً من الدفء على نار الذكريات الإنسانية التي تشطح بها عقولنا أحيانا، أو على أنفاس الحكايا المتنوعة التي نرويها لبعضنا البعض وقوامها الصمود والإرادة، أو على اختلاس النظرات العاشقة والمتلهفة لرؤية سهول وجبال فلسطين الحبيبة من خلال شقوق النوافذ المغلقة، ما استطعنا الى ذلك سبيلا..!

كل هذه العوامل المحيطة بنا يمكن احتمالها والتعاطي معها باستثناء عامل واحد، ألا وهو العامل البشري، حيث يتولى مسؤولية تنقلاتنا بين السجون وحدة حراسة خاصة، تابعة لإدارة مصلحة السجون، تعرف باسم "وحدة النحشون" وكلمة "نحشون" كلمة عبرية تعني بالعربية "المقدام" وهذه الوحدة متخصصة بالكراهية والعدوانية لكل ما هو فلسطيني، وعلى ما يبدو بأنها استحدث اسمها من هذه الصفات، وبالفعل تجد كل فرد فيها "مقدام" في توجيه الإهانة للأسير، و"مقدام" في تفتيش جسدك بطريقة مهينة حتى النخاع، مع أنه لا داعي لذلك فالماكنة تكفي، و"مقدام" في تضييق القيود على معصميك وكاحليك حتى يأتي القيد على لحمها، و"مقدام" في حرمانك من أبسط حقوقك الإنسانية بغية إذلالك، و"مقدام" في تعذيب الأسير الفلسطيني والتنكيل به بطرائق أشد قسوة وأبشع من تلك المتعارف عليها بالتعذيب الجسدي، وبشكل أدق يمكن تسميتها بالتعذيب "البولي والبرازي"، أي تعذيب الجسد من داخله، وعلى هذه الوتيرة تجده "مقدام" حتى النهاية، كيف يكون ذلك ؟! بعد قليل سأروي لكم الحكاية.

 ففي طريق"العدل العليا" التي اجتزتها من جلبوع حتى الرملة، كان برفقتي ثلاثة أخوة آخرين، هم :(محمود دعاجنة، شادي دراغمة، وعامر البركة)، ومن الطبيعي في هكذا مشوار، وهكذا طقس أن نستجيب لنداء الطبيعة، إلا أن هذه الغريزة البشرية اللاإرادية – في مثل حالتنا – خاضعة لسيطرة "القوة الأخلاقية" التي يتمتع بها الجندي الإسرائيلي، فمخارج البول والبراز لدينا تحتاج إلى إذن أمني يسمح لنا بالمرور لاستخدام الأماكن المخصصة لها، مثلها في ذلك مثل إذن السفر، وإذن العمل، وإذن البناء ...الخ، وقد يكون الحصول على هذا الإذن أصعب كثيرا مما يعتقد، وطبعاً السبب في ذلك لا يعود للخطر الذي تشكله على البيئة أو على أمن اسرائيل، وإنما يراد من وراء محاولة منعك من التبول أو التغوط الإعتداء على كرامتك الإنسانية بأحقر الطرق وأكثرها انحطاطاً، وامتهانها بطريقة مذلة، فأية أخلاق هي تلك التي يتمتع بها هؤلاء الجنود إن لم لم تكن من نوع افرازات المخارج التي يحاولون التحكم بها؟!

وبصراحة إنني أخط هذه الكلمات وأنا أشعر بغضب واشمئزاز وحزن وألم وقرف من هول ما جرى معنا ويجري مع غيرنا من الأسرى الفلسطينيين، فهذه التفاصيل الصغيرة في حياتنا، والكبيرة في تأثيراتها علينا لا يعلم بها وبويلاتها إلا من عاشها وتذوق طعم مرارتها، ففي هذا اليوم المشؤوم تم اقتيادي وباقي رفاقي الأسرى الى الحافلة التي ستقلنا وتعرف باسم "البوسطة"، وكان ذلك عند الساعة السابعة والنصف صباحاً، ولدى بلوغنا سجن "الجلمة" بحدود الساعة الحادية عشر ظهراً، طلبنا من سجانينا "المقاديم" السماح لنا باستخدام دورة المياه من أجل التبول، فما كان منهم إلا أن سمحوا للسجناء الجنائيين بذلك، وُوُعِدنا بأن يسمحوا لنا بعد قليل، وعندما لم يرقهم هدوئنا وعدم توسلنا، انطلقوا بالحافلة، وأخبرونا بأن الوقت لا يسمح، ولكن عندما نصل سجن "هداريم" سيتم إنزالنا الى الحمامات لقضاء حاجتنا، وفي تمام الساعة الثانية من بعد الظهر ونحن في سجن "هداريم" طالبناهم مجدداً بضرورة استخدامنا المرحاض وأن حالتنا ملحة، فما كان منهم إلا أن سمحوا مجددا للسجنائ الجنائيين ومن بينهم نفس الأشخاص الذين سمحوا لهم في المرة السابقة، وتجاهلوا كل مطالباتنا، وأصبحوا يشيحون بوجوههم عنا كلما ذكرناهم بذلك، وكأنهم لا يسمعون أياً من كلماتنا ما دامت غير مصحوبة بالتوسل والتذلل والرجاء.

انطلقت بنا الحافلة مجددا، وبقينا على هذه الحال نعاني الأمرين جراء انحصار البول في مثاناتنا، حتى وصلنا سجن "الرملة" قرابة الساعة الرابعة مساءً ، وتمكنا من تحرير أنفسنا من عذابات الإنحصار، هذه ليست المرة الأولى التي أتعرض فيها شخصياً لهكذا موقف، ففي إحدى المرات اضطررت مجبراً على التبول في كيس بلاستيكي بعد أن أفسح لي الأخوة مجالاً لذلك داخل سيارة البوسطة، رغم أنها كانت متوقفة داخل السجن، وأجبرت على الإمساك بالكيس لمدة ربع ساعة حتى يأذن لي ضابط البوسطة بإلقائه خارجها، ومن المحزن أن أخبركم أن بعض الأسرى اضطر الى التبول على أرضية السيارة مكرهاً على ذلك..!

وعندما شرعت بكتابة هذه المقالة طالبني عدد من الأخوة، اعادة التفكير بكتابتها، رأفة بمشاعر أهالينا ورفقاً بحالهم، ولكنني فضلت فضح هذه الإنتهاكات على الرغم من الألم الذي يمكن أن تلحقه بذوينا وبأبناء شعبنا.

فياليتني أستطيع التبول من عيني حتى لا أتعرض لهذه المهانة مجددا..! وحتى يظهر في هذا العالم الحر الذي يدعي الإنسانية من يقف الى جانب حقوقنا بشكل حقيقي، فنحن لا نطالب باسترداد أرضنا المغتصبة، ولا بحقنا في الحرية والتحرر مثل باقي الشعوب، فهذه أمور نضالنا وكفاحنا الوطني كفيلان بتحقيقها، وجل ما نبتغيه منكم، هو مساندتنا في حقنا الإنساني بالتبول، أرجوكم ساعدونا لكي نُبَوِلْ..!!

* أسير مقدسي يقضي حما بالسجن لمدة 7 عاما- سجن أوهلي كيدار- بئر السبع. - nashaheenzah@yahoo.com