2013-02-05

المصالحة الفلسطينية بين الإنقسام والإقتسام..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

بعيدا عن التشاؤم أو التفاؤل بالمصالحة فلا بد من التسليم بعدد من الحقائق أو المسلمات والتحولات التي تفرض نفسها على الحالة الفلسطينية، وإدراكها قد يشكل مخرجا ومنهجا مفيدا لإنجاز المصالحة.

أول هذه الحقائق أن حالة الإنقسام ليست مجرد حالة بسيطة، بل هي حالة مركبة وبنيوية، وقد تجذرت في البنية السياسية والمجتمعية الفلسطينية، والإقرار بذلك لا يعني أنه لا يمكن التغلب أو التعامل معها.

الحقيقة الثانية وهي ان المصالحة خيار حتمي، وأولوية فلسطينية عليا، ولا يمكن لأي من "فتح" أو "حماس" ان تحققا خياراتهما بدون الخيار الفلسطيني الواحد، وخصوصا أن هذه الحالة تخضع للإحتلال الإسرائيلي، وأن هذا الإحتلال يحتم المصالحة بأي شكل من الأشكال، أي بإختصار شديد أن خيار الإنقسام لا يمكن أن ينهي الإحتلال الإسرائيلي، وهذا يعني أيضا أن خيار المقاومة لوحده لن يحقق هذا الهدف، ولا المفاوضات الخيار الثاني يمكن أن تحقق إنهاء الإحتلال، ولذلك بدون الإلتفاف حول رؤية فلسطينية توافقية تشاركية سيبقى خيار المقاومة وخيار المفاوضات يدوران في حلقة مفرغة.

الحقيقة الثالثة أنه لا يمكن الذهاب للمصالحة بنفس المدركات والمعطيات السابقة، وبعبارة أخرى لا يمكن الإعتماد على المصالحة الإجرائية كالإنتخابات او حتى تشكيل الحكومة الفلسطينية، والتي قد يكون الهدف منها إعادة تفريخ النظام السياسي الفلسطيني بنفس المنهاجية السابقة، أي العمل على إحتواء حركة "حماس" أو الجهاد في إطار النظام السياسي الفلسطيني هذا رغم أهمية الإنتخابات والحاجة لتجديد الشرعية السياسية الفلسطينية كلها. ولا تعني ذلك مجرد تحول السلطة من "فتح" لـ"حماس" أو من "حماس" لـ"فتح"، فهذا التفكير لم يعد صائبا، ولا يمكن أن يحقق المصالحة من منظور حالة الإنقسام المتجذرة بنيويا، ولذلك ينبغي أن يكون الهدف العمل علي إعادة مناهج وآليات المصالحة من خلال البحث عن بنية سياسية جديدة قادرة أولا على تحقيق التوازن السياسي، وثانيا قادرة على تحقيق مبدأ الشراكة السياسية بين كافة القوى السياسية، والإبتعاد عن حالة الإستقطاب السياسي ثالثا، والتوافق رابعا حول رؤية فلسطينية أو محددات للعمل السياسي الفلسطيني في إطار نظام سياسي ديمقراطي توافقي يعترف بوجود كل القوى السياسية الفاعلة، وقادر على إحتوائها في داخل بنيته السياسية وذلك بإقرار إطار ملزم للعمل السياسي الفلسطيني، والعمل المقاوم. وأخذا في الإعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية، والإعتماد على منهاج التدرج في تحقيق المطالب الفلسطينية الوطنية وخصوصا العمل على إكتمال الدولة الفلسطينية الكاملة.

ومن المسائل المهمة في سياق إعادة بناء منظومة سياسية فلسطينية تصالحية إدراك إن ألكثير من أعراض الإنقسام قد تبقى قائمة، لكن بقائها في أطار النظام السياسي التصالحي قد يكون أسهل للتعامل معها والتخلص منها، وهذا يعني إعطاء أولوية للمصالحة اولا حتى مع الإقرار ببنية الإنقسام، وهنا قد تبرز معضلات صعبة كالمعضلة الأمنية، والوظيفية والإدارية والقانونية، فمثل هذه المعضلات يمكن حلها من خلال إعادة تحديد أدوار ووظائف مؤسسات السلطة في إطار الدولة الفلسطينية الجديدة. ومن الحقائق المهمة أيضا الإقرار بالتحولات العربية، والتغيرات في البنى السياسية لدول مهمة مثل مصر، ووصول الأخوان والقوى السياسية الإسلامية للحكم، فهذا التحول لا بد وأن يفرض نفسه على توجهات المصالحة الفلسطينية، وهنا قد يبرز حرص حركة "حماس" في الحفاظ على بقائها ووجودها كسلطة في غزة إمتدادا لحكم إسلامي مستقبلي، هذا الإدراك لا ينبغي أن يوضع كعقبة في طريق المصالحة.

ولكن لو أخذنا خصوصية الحالة الفلسطينية من إحتلال، وإنقسام سياسي وجغرافي، يمكن توظيفه اجابيا بما يحقق المصالحة. وفي سياق هذه التحولات إدراك أن المنطقة العربية كلها تمر في حالة من التحول، وأن هناك العديد من الملفات التي تحظى بأولوية في الأجندة السياسية الدولية، كالملف النووي الإيراني، والملف السوري، وإدراك أن القضية الفلسطينية قد تكون ثمنا لتسوية هذه الملفات، وبدون تفعيل للدور الفلسطيني في عملية التحول الإقليمي فلا أحد سيكسب فلسطينيا، بل إن الخاسر الكبير سيكون الشعب الفلسطيني وقضيته الفلسطينية. وتتزامن مع هذه التحولات الإقليمية إنتهاء الإنتخابات الإسرائيلية، ونذكر بما قاله نتانياهو إن الهدف الرئيس لحكومته هو تحقيق وحدة الشعب اليهودي، والحيلولة دون إنقسام في داخل إسرائيل، والأجدر بالفلسطينيين أن يتوحدوا، وينهوا حالة الإنقسام السياسي التي من شأنها إختزال القضية الفلسطينية في قوالب حكم ضيقة، وإدراك التحولات في السياسة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة ما زالت الفاعل الرئيس الذي يتحكم في التفاعلات السياسية على مستوى المنظومة العربية، وأن هذه المنظومة في حالة تحول ولا ينبغي أن تكون القضية الفلسطينية هي الثمن السياسي الذي يدفعه الشعب الفلسطيني.

ولعل من أهم التحولات الإيجابية التي تدفع في إتجاه المصالجة إنجاز موضوع الدولة الفلسطينية المراقب في الأمم المتحدة والتي تحتاج لجهد طويل لتكتمل عضويتها، والنتائج السياسية التي خرجت بها حركة "حماس" من الحرب الأخيرة على غزة وأهمها تحقيق مزيد من الشرعية ألإقليمية والدولية، وهذه الشرعية لن تكتمل إلا في إطار الكل الفلسطيني..

هذه بعضا من الممكنات والدوافع التي تدفع في إتجاه مصالحة بعيدة عن عملية إقتسام للسلطة الفلسطينية وتوزيعها، وبعيدا عن مفاهيم المحاصصة السياسية، التي قد تنهار مع أول إنتخابات تتم بعد المصالحة، فالمطلوب مصالحة للمشروع الوطني الفلسطيني، ومصالحة مع الذات الفلسطينية، ومصالحة مجتمعية تحول دون ذوبان الشخصية والهوية الفلسطينية في سياق كيانات سياسية إقليمية أو قطرية أكبر. إنه زمن التحولات السياسية الكبرى في المنطقة، وبدون تغير وتحول في الحالة السياسية الفلسطينية من الإنقسام للمصالحة سيتحول الفلسطينيون إلى كينونات سياسية صغيرة غير قابلة للعيش والتوالد ذاتيا، ولننسى أن هناك قضية فلسطينية، وأن هناك إحتلال إسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com