2013-02-05

من فم جليلي.. تسمع عجباً..!!


بقلم: عدلي صادق

في مؤتمره الصحفي بدمشق صباح أمس، كان سعيد جليلي، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، صفيقاً وضليعاً في الظلم والكذب ونكران الحقائق، دون أن يرف له جفن. فقد تمحورت قراءته للصراع على أرض سوريا، في نقطة واحدة لا ثانية لها: العرب كارهون للمقاومة وبالتالي يتآمرون على أيقونتها النظام السوري، وهذه هي علتهم، بينما لو كانوا أصحاء،  لأجزلوا الشكر لهذا النظام على بطولته، ولاحتذوا حذوه في طريقة تحقيق إجماع الشعب على محبته لقيادته الرشيدة الحانية. فالشعب يلهج بالعرفان لقائده بشار الأسد..!

ربما ليست كل هذه العبارات، متطابقة بالحرف، مع تعبيرات سعيد جليلي. لكن مؤدى ما قاله في المؤتمر الصحفي، لا يقل عن هذا التدليس،  إن لم يزد عليه. وبعد الاستماع لجليلي، لم أشفق على الشعب السوري بقدر ما أشفقت على الشعب الإيراني المبتلى بهكذا دجالين. ومن المصادفات، أن اليوم السابق على ظهور المسؤول الإيراني في دمشق؛ وقعت على الهواء مباشرة، مشادة ثقيلة، بين الرئيس محمود أحمدي نجاد، ورئيس البرلمان الإيراني علي لارجاني، قال فيها الثاني للأول إنه لا يتحلى بما سماه "أخلاق الجمهورية الإسلامية". هذا الثاني، كان خسر موقعه كأمين عام لمجلس الأمن القومي، لصالح سعيد جليلي، بعد أن اختلف لارجاني مع نجاد، على طريقة إدارة قضية الملف النووي. وجليلي يدين لنجاد بصعود فجائي انتقدته النخبة واعترضت عليه، لأن الرجل غير ذي تأهيل كافٍ ولا يستحق التقدم على جحفل من المخضرمين، بينما لاريجاني سياسي متعمق في الفلسفة العالمية ويُعد فيلسوفاً، وهو سليل عائلة جاهدت حكم الشاه. فأبوه واحد من "آيات الله" الذين طردوا من بلادهم قبل طرد الخميني، وقد ولد ابنه علي، في مدينة النجف العراقية وترعرع فيها.

أما جليلي هذا، الذي يمشى بطرف صناعي عوضاً عن الجزء السُفلي من قدمه اليُمنى؛ فقد جُرح في الحرب مع العراق، ومن هنا لوحظ عليه الحقد على العرب، والتركيز اللافت على احتواء واستتباع العراق، والتصرف كصدى لصوت أحمدي نجاد، الذي يرعى خاصته من الفاسدين، بينما لارجاني خاض انتخابات البرلمان في العام 2008 وفاز عن دائرة "قم" المبجلة، واتهم نجاد بتزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة..!

ربما بعدها، بات واضحاً، أن التزوير هو منهج الرئاسة الإيرانية الذي يُعد جليلي واحداً من بيادقها. فقد تدفق الرجل أمس، بحديث عجيب يتعلق بدور أسطوري مقاوم، لنظام الأسد. فلم يأت على ذكر أوضاع الداخل السوري قبل الثورة، ولا عن البدايات السلمية لها. فليس عند هؤلاء الحاقدين، أي اعتبار للداخل السوري ولا يرون حيثياته. كل المسائل تتعلق بـ "خارج" متآمر، يقاومه النظام السوري. لا قيمة عندهم  للحقائق وأولها الاحتلال المديد للأراضي السورية دون مقاومة. كأن الشهيد صدام حسين، الذي كان يتحدى أمريكا عدوتهم، فيما الأسد الأب يشارك في الحرب معها ضد العراق، لم يكن على علاقة بأية مقاومة أو تحدٍ. لم يكن هناك في ـ رأيهم ـ  أي "خارج"  للعراق يتحداه صدام أو يسهم في مقاومته. كل ما كان لدى العراق، في منطق هؤلاء، هو داخل شيعي تتشكى مرجعياته الطائفية من الاستبداد. ولما استعان هذا الداخل بأمريكا لإسقاط المستبد، كان ذلك حلالاً، أما السوريون فإن مجرد تمنياتهم بأن ينقذهم منقذ، تصبح هذه التمنيات آثمة ومتآمرة. وبعد سقوط صدام، بدأوا استبدادهم الذي ينتفض ضده العراقيون الآن. لقد قابلوا الثورة السورية بعداء مبكر، وبنكران وجود الداخل السوري كله أصلاً. ولم ير شيخ منهم، ولا متمحك بعلي وفاطمة وزين العابدين وجعفر الصادق رضوان الله عليهم جميعاً، أن السوريين مظلومون وأن نظامهم الذي يزعم أنه "بعثي قومي " أي شقيق لبعث العراق، يقتلهم ويهينهم ويستبيح مقدراتهم وإن تظاهروا سلماً، فإنه يقتلهم وإن شيعوا قتلاهم فإنه يقصف جنائزهم، على النحو الذي لم يفعله مستبد في التاريخ..!

فسوريا عندهم مختزلة في "خارج" تعبر عنه قوى استعمارية وأذناب قوى استعمارية،  ولا كابح لهؤلاء إلا المقاومة الأسدية التي لولاها لأصبحنا أمة من العبيد.

ومن المفارقات، أن هذا الجليلي الذي يكذب في البديهيات، يحمل درجة الدكتوراة بشفاعة أطروحة بعنوان "سياسة نبي الإسلام". كأنه لم يعرف أن نبي الإسلام عليه السلام، كان صادقاً أميناً وقد أوصانا بالإحسان في كل شىء، حتى عندما نذبح خرافاً، أي أن يترفق واحدنا المؤمن، بالشاه عندما يذبحها، ولم يوص النبي "آيات الله" بأن يساند المؤمنون ذبح البشر، والتمثيل بالجثث، أو يشاركوا في اقتراف الفظاعات، ثم الخروج على الناس بكل صفاقة، لإبلاغهم باسم "جمهورية إسلامية" أن الضحايا يحبون قاتليهم، وقد وجب على المحزونين في الجوار وفي العالم، إجزال الشكر للقتلة..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com