2013-02-02

الغارة الاسرائيلية على سوريا.. رسائل وأبعاد


بقلم: مهند محمد صبّاح

لم تكن اسرائيل لتقوم بقصف مواقع سورية إلا بعد حصولها على الموافقة الامريكية لهذا العدوان. بعد البيان العسكري السوري تأكد تورط اسرائيل بالهجوم وإن لم تعترف به اسرائيل  لغاية الآن، وهذا ما عودتنا عليه اسرائيل في عملياتها الارهابية سواء من اغتيالات لقيادات خارج حدود فلسطين المحتلة  مثل اغتيال المبحوح او عماد مغنية، او عند الهجوم على سوريا خلال الاربعة اعوام الماضية على الاقل. بغض النظر عن ماهية الهدف الذي تم قصفه سواء كان مركز علمي تطويري حسب الرواية السورية، أو كانت  قافلة تهريب أسلحة  حسب الرواية الاسرائيلية غير الرسمية.  القصف الاسرائيلي الاخير على سوريا بعث برسائل عديدة خاصة إذا ما ادركنا الرسائل و الابعاد العسكرية والسياسية  الكامنة  من ورائه.

الابعاد  العسكرية  من مثل هذا هجوم اذا صحت الرواية الاسرائيلية هو تخوف  هذا الكيان من ان تمتلك اذرع المقاومة في المنطقة وخاصة حزب الله لأسلحة ذات بعد استراتيجي في الصراع المسلح وخلخلة  منظومة الردع الاسرائيلية في أي حرب قادمة، تماما كما حدث بالأسلحة الليبية بعيد انهيار نظام العقيد القذافي وامتلاك المقاومة جزء منها (حسب مصادر العدو الاعلامية). أيضا هي رسالة مزدوجة لحزب الله والجمهورية الايرانية بأن المؤسسة العسكرية الاسرائيلية قادرة على الحفاظ بزمام المبادرة العسكرية وشن أي هجوم استباقي يحقق مبدأ الردع  والتفوق. هي رسالة أقل حده بكثير  لمصر الجديدة بأن اسرائيل قادرة على حماية امنها الاستراتيجي بدعم امريكي غير قابل للنقاش وتأكيدا على متانة هذا الحلف الاستراتيجي بينهم يتأتى من خلال موافقة الولايات المتحدة الامريكية على الهجوم الاخير على سوريا.

أما الابعاد السياسية، فهي ادراك تام بأن النظام السوري أصبح غير قادر على امتلاك السيطرة على الارض وان قدرة النظام كنظام بالمفهوم القوي على الاستمرارية لأمد بعيد أصبحت شبه ضئيلة وان التغيير اَت لا محالة وإن كان تغيير ضبابي غير واضح المعالم. اسرائيل اعتادت ان تتعامل مع أي خطر تهديدي قبل وقوعه، وما يقلق اسرائيل هو فعالية الحكم المستقبلي في سوريا من حيث شدة عداءه لإسرائيل خاصة مع تصاعد تنامي قوة الحركات الاسلامية في المنطقة وخسارة النظام المصري السابق والحليف الحامي لأمن اسرائيل. العملية العسكرية الاسرائيلية المحدودة هدفت الى احراج النظام الايراني امام الشعوب العربية وقوى المقاومة في المنطقة وذلك بعد التصريحات التي ادلى بها المسؤول الايراني رفيع المستوى بان ايران سوف تدافع عن حليفتها سوريا وان أي اعتداء عسكري على سوريا هو بمثابة اعتداء عسكري على إيران ذاتها. هناك بعد اَخر لا يجب اهماله، وهو بعد للداخل الاسرائيلي بأن اعداء اسرائيل لا زالوا يشكلون خطر وجودي على الكيان وإشعار مواطنيه بأنهم مستهدفون على الدوام. لذلك اعلنت بلدية حيفا الأستنفار في المدينة بعد القصف، وقبل ذلك بزمن قليل تم نصب القبة الحديدية على الحدود مع سوريا، ناهيك عن محاولة نيتنياهو تحسين ظروف تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات الاخيرة التي أضرت بحزبه هو وليبرمان. هو يريد ان  يحرج قوى "اليسار" بأنهم غير مهتمين بمستقبل اسرائيل الوجودي وسيعيهم لإسقاطه سيكون كارثة على امن اسرائيل، ويريد ان يضع الخطوط العريضة للحكومة المستقبلية لتكون حكومة يمين وحرب بامتياز تعفيه من أي التزام تجاه عملية السلام مع الفلسطينيين وليستمر في مصادرة الاراضي وتهويد القدس. ايضا تقلل الضغط الدولي عليه بخصوص العملية السلمية بحجة ان لديه ائتلاف حكومي معقد وصعب. وبالتالي يضع جدول اعماله بنفسه بدون اية ضغوطات دولية.

خلاصة القول، الغارة الاسرائيلية تدل ان تدمير سوريا  هو الهدف، تدمير بالمعنى التام وليس فقط اسقاط نظام حزب البعث. المعارضة المسلحة غير قادرة على حسم الموفق ولا النظام ايضا قادر على انهاء الصراع الدموي مع المعارضة وبالتالي استهداف مقدرات الدولة ومصادر التقدم فيها سواء من الناحية البشرية والعلمية والاقتصادية وإغراق البلاد في نزاع دموي طاحن بعيد الأمد يستهلك جميع موارد البلاد على مرأى الدول الاقليمية والعالمية التي لو ارادت انهاء العنف في سوريا لفعلت منذ زمن على غرار ليبيا. وكل ذلك يصب في مصلحة اسرائيل الامنية والعسكرية. للأسف اصبحت سوريا ساحة لتبادل الرسائل بين جميع الخصوم في المنطقة ودول العالم  "المتحضر "  وتصفية الحسابات ومجالا جغرافيا لتعزيز النفوذ  للجميع، وتخويف الشعوب العربية من مجرد التفكير في التغيير لكي يفضلوا العيش بذل على ان يموتوا من تضحيات الحرية.

* الكاتب يقيم في مدينة القدس. - muh_star@yahoo.com