المصالحة الفلسطينية أضحت حلم الكثير إن لم يكن المعظم من أبناء الشعب الفلسطيني، ولذلك نجدها تتصدر الكثير من النقاشات بين أفراد المجتمع وبين النخب المثقفة والسياسية وتحتل مساحات واسعة من الجرائد والمواقع الإلكترونية الإخبارية، ويبقى السؤال الكبير والأهم: هل ستتحقق المصالحة فعلاً، وإن تحققت هل ستستمر؟ ويتفرع من هذين السؤالين الأساسيين أسئلة متفرعة كثيرة. ولا يشك عاقل أن لنجاح أي مبادرة عوامل لهذا النجاح ومقومات لتحقيقه لنستطيع التكهن بما قد تؤول إليه أي مبادرة، و لذلك نود هنا أن نذكر بعض مقومات نجاح المصالحة الفلسطينية لنساعد في وضع لبنة في هذا الجدار الهام والوصول بهذا الملف لشاطئ الأمان.
ومن هذه المقومات:
1- التعرف على أسباب الإنقسام ومعالجتها: وهذا من أهم ما يجب الرجوع إليه والبحث فيه، ليس لننكأ الجراح، ولكن لنتعلم من أخطائنا، وبدون ذلك تبقى إحتمالية تكرار سيناريو أحداث عامي 2006 و2007 قائمة. ولا بأس من تشكيل لجنة عربية قانونية وبالتوافق لدراسة أسباب ما حدث، بشرط ضمان نزاهتها، وتقبل جميع الأطراف بنتائجها، وتحمل التبعات.
2- تحمل كل طرف لمسؤوليته الوطنية والأدبية والإعتراف مع الإعتذار عما وقع منه من أخطاء، وهذا يدل على جدية ومصداقية الأطراف، ولقد بادرت حركة "حماس" بذلك حينما قال قائدها خالد مشعل بأننا جميعاً أخطأنا في المرحلة السابقة، ولكن لم نسمع مثل ذلك من الطرف الآخر حتى اللحظة، فالإعتراف بالخطأ يعتبر الخطوة الرئيسة لمعالجته.
3- ضمانة احترام كل طرف لنتائج المصالحة وما يترتب عليها، كنتائج الإنتخابات مثلاً، وهذا الإحترام يجب أن يُبني على الإعتراف بها، لأن عدم احترام نتائج انتخابات 2006 من بعض الأطراف كان مبنياً على عدم الإعتراف بها، ولذلك كان هذا من اهم العوامل التي أدت إلى هذا الوضع حتى هذه اللحظة. وهنا أرى أنه لا بد من الإقرار بنتائج انتخابات 2006 وبما افرزته من مؤسسات قبل خوض أي انتخابات جديدة، بل على المؤسسات التي أفرزتها انتخابات 2006 أن تقوم هي بإدارة العملية الإنتخابية الجديدة، ودون ذلك تصبح المصالحة معرضة للخطر والإنهيار في أي لحظة.
4- الإتفاق على تحديد المصالح العليا للقضية الفلسطينية، وهذا من أهم النقاط الضامنة لتحقيق واستمرارية المصالحة، لأن كلا الطرفين يدعي الوصال بليلى، لكن لم نعرف ما هية ليلى هذه؟ هل المصلحة العليا التحرير أم الدولة؟ المقاومة أم التفاوض؟ كل فلسطين أم جزء منها؟ تجريم التنسيق الامني مع العدو أم التفاخر به؟ وهكذا...
إن كل بلد ودولة في العالم لا تختلف القوى السياسية فيه على تحديد مصالحه العليا، بل تختلف في الوسائل التي تريد ان تستخدمها في الحفاظ على هذه المصالح وتمتينها. لذلك نرى هذه الدول تتفق وتتحد فيها الأحزاب الحاكمة والمعرضة حين تتعرض الدولة للخطر أو تخدش مصالحها وثوابتها العليا.
5- عدم السماح لأي قوة خارجية بالتأثير في القرار الفلسطيني العام أو الفصائلي الخاص وتجريم ذلك، وهذا من أهم ما يجب الإقرار به، لأن التدخل الخارجي في القرار الفلسطيني العام وقرار بعض الفصائل والتنظيمات الفلسطينية كان من أسوأ الأسباب التي أدت للحالة التي نحن فيها. وهذا لا يعني عدم إقامة علاقات مع دول وقوى سياسية عالمية هنا وهناك، بل هذه العلاقات مطلوبة وضرورية، لكن على مبدأ احترام القرار الفلسطيني المستقل واحترام الأسس الفلسطينية الثابتة وعدم التدخل في الشأن الفلسطيني.
6- إعادة النظر في القانون الأساسي الفلسطيني والتوافق على تعديله بما يناسب التطورات الجديدة، لأن الذي استأثر في وضع هذا القانون فئة واحدة من مكونات الشعب الفلسطيني لا تمثل الغالبية المطلقة للشعب بحال من الأحوال، وكان الهدف من وضعه خدمة هذه الفئة في المقام الأول، ولعل عدم الوضوح في بعض مواد القانون الأساسي وفضفاضة وكثرة التفاسير لها كان له دور كبير فيما حدث للأسف الشديد، كما أن هذا القانون لم يراعي أننا في مرحلة تحرر.
7- عدم المساس بالثوابت الفلسطينية وعلى رأسها حق المقاومة بكل أشكالها وبالذات المقاومة المسلحة، لأن المتتبع لأفكار ومناهج القوى السياسية المكونة للكل الفلسطيني لا يرى اختلافها في طرق حماية الثوابت أو طرق تمتينها، بل في الإختلاف في هذه الثوابت، مما جعل فريق ينظر للآخر بنظرة التفريط بالحقوق وبالمقابل ينظر الأخر للأول بعدم الوعي السياسي وعدم الفهم للوضع الإقليمي والدولي والقوى المكونة له وهدر الفرص، مما حول الصراع مع العدو الصهيوني إلى صارع بين الفريقين فيمن يشد الآخر لما يقتنع به أنه من الثوابت. بل إن تناقض البرامج كاد أن يجعل كلٌ منها يعصف بالآخر ويُضعفه.
8- ضرورة الوعي الكامل للجميع في التفريق بين مرحلة التحرر ومرحلة إنشاء الدولة، فمرحلة التحرير تستلزم وجوب وجود قوى وفصائل مقاومة وسلطة مقاومة وتسخير كل الإمكانات لخدمة وإنجاح برنامج التحرير، وجعل التواصل مع العدو خيانة توجب العقوبة الرادعة وإغلاق مثل هذه الأبواب كلية، بل توجب حماية المجتمع من العمالة والإسقاط والوقوع في حبال العدو. وهذه كله عكس مستلزمات مرحلة الدولة تماماً.
9- ضرورة البناء على كل إنجاز حقيقي لا وهمي للشعب الفلسطيني، ومن ثم الإنطلاق منه وعدم التفريط فيه، لأن كل إنجاز حقيقي حققه أي فصيل في مقارعة العدو هو إنجاز لكل الشعب الفلسطيني، وساهم فيه الجميع الفلسطيني، وإن لم يخطط له، لأن الشعب الفلسطيني تعود على الإستعداد لدفع أي ثمن مهما كان غالياً لتقريبه من النصر والتحرير، فعدم مراعاة ذلك يعني إهداراً للتضحيات الجسيمة التي قدمها هذا الشعب، ويعني زيادة الإحباط وفقدان الثقة بهذه القيادة، وهذا سيكلف الشعب الفلسطيني المزيد من الأثمان الغالية والصعبة، والتي هو في غنى عنها، بل يريد أن يدفعها للإنتهاء من كابوس الإحتلال وليرجع إلى قراه ومدنه التي هجر منها، ولتعود له مقدساته وكرامته.
ربما يستطيع القارئ الآن أن يدرك بعض أسباب تعثر نجاح جهود المصالحة حتى اللحظة، ولذلك أجزم أن عدم مراعاة القائمين والراعين للمصالحة وأطرافها لهذه المقومات وأخذها بعين الإعتبار والعمل على تطبيقها والإنطلاق منها، سيجعل من المصالحة أمراً بعيد المنال، وإن تحقق ورقياً ونظرياً وبروتوكولياً، فلن يصمد كثيراً بل سرعان ما ينهار، بل إن إمكانية تكرار السيناريو السابق – أي سيناريو أحداث 2006 و2007 – ستكون حاضرة وبشكل أسوأ لا سمح الله، لذلك كان من الواجب التذكير بهذه المقومات ووضعها أمانة بين يدي الشعب الفلسطيني المضحي العظيم وبين يدي قادته الأوفياء وأمام الدول والقوى والشخصيات العربية والدولية الراعية لهذه المصالحة.