تصوروا..! الأمم المتحدة تتحول من منبر أممي يعبر عن قضايا وهموم ومصالح الأمم، الى منبر ومسرح لترويج الرواية الصهيونية المتعلقة بـ"الهولوكوست-المحرقة اليهودية"، وهذا ليس اتهاما، بل حقيقة صارخة تدوي في اروقة الامم المتحدة، فيوم الجمعة الماضي 2013/1/25 غصت القاعة المركزية للجمعية العامة في الامم المتحدة بالمئات من ممثلي المنظمات والهيئات اليهودية في العالم، والسفارات الاسرائيلية، و"الناجين من المحرقة"، الى جانب اعداد كبيرة من المدعوين من الدبلوماسيين والسياسيين وغيرهم، كلهم احتشدوا -او حشدوا- لاحياء ذكرى الهولوكوست-المحرقة-الكارثة اليهودية، وقد افتتح الحفل بدقيقة صمت على ارواح"ضحايا المحرقة"، والقيت كلمات كانت ابرزها كلمة السفير الاسرائيلي في الامم المتحدة رون بروشاور الذي قال: "نحن نعيش في عالم اخذت تنتشر فيه اللاسامية برعاية حكومات ورجال دين ومربين".. مضيفا: "اننا نقف اليوم لاحياء ذكرى ستة ملايين يهودي -ضحايا المحرقة- ونعلن: لن ينجحوا في محو تاريخ يهوديب عمره اكثر من 5000 سنة".
وهذه لم تكن المرة الاولى التي تحيي فيها الامم المتحدة ذكرى المحرقة، فقد اتخذ القرار باحياء الذكرى يوم الاثنين 24/1/2005 حيث عقدت الهيئة العامة برئاسة الامين العام للامم المتحدة آنذاك "كوفي أنان"، جلسة خاصة جدا لاحياء ذكرى"الكارثة-المحرقة"، وقررت احياء الذكرى في السابع والعشرين من كانون ثاني في مطلع كل عام، وكان "أنان" قد شارك في احتفالات افتتاح متحف"يد فشيم" الجديد في القدس (الثلاثاء 15/3/2005) لتخليد "الكارثة اليهودية"، وذلك بعد ان كان قد خصص يوم 27/1/2005 لاحياء ذكرى الكارثة/ المحرقة في الامم المتحدة بمناسبة مرور (60) عاما على وقوعها، واعلن "ان التراجيديا اليهودية كانت خاصة ويجب عدم السماح بتكرار الكارثة"، كما كان كوفي أنان اعلن- للتذكير - في مؤتمر صحفي: "ان الشر الذي قتل ستة ملايين يهودي في معسكرات الموت النازية ما زال يهدد العالم، وعلى المجتمع الدولي ان يضمن عدم تكرار مثل هذه المأساة"...، مؤكدا: "ان التراجيديا اليهودية كانت خاصة".. ودعا الى "تعقب تجدد اللاسامية والعمل ضدها.. ويجب عدم السماح بتكرار الكارثة".
ومنذ ذلك الوقت، -ونستحضر هنا ما كنا كتبناه وذكرنا به دائما- وفي كل عام وحينما تحل هذه المناسبة، تفتح اسرائيل جبهة قديمة- جديدة –متجددة عنوانها "المحرقة واللاسامية"، حيث تربط ما بين تلك الكارثة/المحرقة اليهودية –المزعومة- وما بين الوعي العالمي الذي اخذ ينشأ ضد جرائمها ومحارقها بحق الشعب الفلسطيني، متمثلا بتصاعد الانتقادات العالمية-الشعبية الموجة ضد جرائمها ضد الفلسطينيين، المعززة بقوافل التضامن العالمية مع فلسطين، وقد خسرت وتخسر الدولة الصهيونية على هذا الصعيد صورتها وكثيرا من التعاطف العالمي التقليدي معها، بل ان المزاج العام الدولي اخذ يتحول ضدها، ما يسبب ارتباكا واسئلة على الاجندة الاسرائيلية، وتجد تلك الدولة مناسبة اليوم العالمي للكارثة افضل فرصة لها لتفتح ملف المحرقة واللاسامية والانتقادات الموجهة لها عالميا على اوسع نطاق، وهي تحيي الذكرى في كل عام، على شكل زيارات وبيانات وحملات اعلامية على مستوى عالمي.
اما في إسرائيل مثلا، فتحيي حكومتهم "اليوم العالمي لذكرى المحرقة"، في معهد "يد فاشيم" في القدس المخصص لدراسة وذكرى المحرقة، ويشارك فيه قادتهم، اضافة الى العديد من الشخصيات وممثلين عن السلك الدبلوماسي الاجنبي، وتتكرر خطاباتهم التقليدية في هذه المناسبة في كل عام، وقد عبر عن مضمونها رئيس اسرائيل بيريز في خطابه التقليدي في هذه المناسبة السنوية زاعما "أن دولة اسرائيل تجسد "الانتصار التاريخي" على الوحش النازي الذي وصل الى كل بقعة من اوروبا"، كما زعم "ان النازية هُزمت غير ان اللاسامية ما زالت تتنفس، اذ ما زال هناك منكرو الهولوكوست وحليقو الرؤوس والمتعصبون الذين يحملون في نفوسهم الحقد الاسود ويتعطشون للقتل باسم العنصرية"، كما ادعى "ان اللاسامية تفوح ايضا من الانتقادات الموجهة الى اسرائيل من جانب مَن تعاونوا مع النازيين او احجموا عن منع وقوع الهولوكوست والذين يهاجمون الدولة الوحيدة التي قامت كملاذ للناجين من المحرقة النازية ولمنع وقوع محرقة أخرى".. اما نتنياهو فقال بدوره "أنه لن يسمح لمنكري الهولوكوست بارتكاب هولوكوست آخر"، زاعما "ان هذا هو الالتزام الأعلى لدولة اسرائيل وله بصفته رئيسا للحكومة".
ذات الخطاب وذات المضمون يتكرر منذ ثمانية وستين عالما، وفي كل عام تجدد القيادات الصهيونية الخطاب، بالتركيز على الثقافة والرسالة الصهيونية وراء كل ذلك، وتلقي الدولة واللوبيات الصهيونية بكل ثقلها من اجل ان يبقى"الهولوكوست اليهودي" حيا وفاعلا ومؤثرا في العالم، وكي يبقى "بيضة من ذهب" تبتز عبره امم العالم معنويا وثقافيا وماليا، في حين يفشل العرب، وتفشل المؤسسات العربية، ليس فقط في التصدي للرواية والاكاذيب الصهيونية، بل ايضا في نشر وتعميم الرواية العربية، بل الحقائق الماثلة في فلسطين كما هي..؟!