2013-01-30

حكومة إسرائيلية بلا رئيس وزراء..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لقد كان حزب "لليكود" ومعه حزب "بيتنا" الخاسر الأكبر من الإنتخابات الأخيرة للكنيست التاسعة عشرة، وعلى المستوى الشخصي يعتبر بنيامين نتنياهو هو الخاسر الوحيد مقابل يائير لبيد زعيم حزب "هناك مستقبل" بإعتباره الفائز الوحيد الذي سيشكل قلب الدائرة الأولى في أي حكومة إسرائيلية قادمة، فحزب "الليكود" تراجع من 27 مقعدا في الكنيست السابقة إلى 22 مقعدا، وتراجع تحالف "الليكود بيتنا" من 42 إلى 31..

وفي جميع الأحوال لن يحكم نتنياهو بنفس القوة والنفوذ والتأثير الذي تمتع به في الحكومة السابقة، وليس أمامه إلا خيارين: الأول أن يكون رئيسا للوزراء ولكن تحت رحمة وضغط كل من الأحزاب العلمانية كحزب "هناك مستقبل" أو الأحزاب والقوى اليمينية المتشددة والتي ستبتزه بمطالب مالية تزيد من حدة المشاكل الإقتصادية والعجز في الموازنة الذي وصل إلى 31 مليار شيكل، وكان سببا في إجراء الإنتخابات المبكرة. والإحتمال الثاني والقوي الذي قد يسيطر على نتنياهو أنه بهذه النتيجة والتي تدفع بكل المراقبين للتنبؤ بأن حومته ستكون قصيرة ولن يزيد عمرها عن عامين، بما يعني أنه وفي هذه الحالة لن يكون رئيسا لحكومة إسرائيلية رابعة، بل أن شخصية يائير لبيد الكارزمية والمؤثرة قد تكون الأكثر إحتمالا بعد سنتين من الآن، خصوصا إذا ما حافظ على برنامجه ووعوده التي قد قطعها للناخب الإسرائيلي في قضايا تساوي تحمل الأعباء، وإعادة النظر في قانون "طال" الخاص بتجنيد المتدينين، وقضايا الفقر والبطالة، والحد من إرتفاع أسعار العقارات المرتفعة في إسرائيل والتي وصلت حوالي 48 في المائة.

وكما يبدو من نتائج الإنتخابات والتي جاءت متعادلة إلى حد كبير 61 يمين مقابل 59 للقوى الأخرى من يسار ووسط وعرب، فهذا يعني أن أي حكومة قادمة لن يبقى تحالف "الليكود بيتنا" متمسكا بالوزارات الهامة كالخارجية والدفاع والمالية والإسكان، فهذه الوزارات أو على أقل تقدير اثنتين منها ستكون من نصيب الأحزاب الأخرى وخصوصا "هناك مستقبل" الذي سيصر على تولي وزارات تقربه من تحقيق وعوده الإنتخابية، وحزب "البيت اليهودي" الذي ستعنيه وزارة الإسكان.

ومن التعقيدات والتحديات التي ستواجه الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي القادم وستقصر من عمره التناقض والتعارض في القضايا والأولويات السياسية، فنتنياهو يلوح بالفزاعة الإيرانية وما تمثله من تهديد وجودي لبقاء إسرائيل، وبالتحولات في سوريا والخوف من وصول الأسلحة الكيميائية السورية إلى يد "حزب الله"، والقوى أاأخرى مثل "هناك مستقبل" تركز على القضايا الإقتصادية، وقضايا غلاء المعيشة والفقر والبطالة وهي القضايا الأساس التي بناءا عليها أعطى الناخب الإسرائيلي صوته لها، والتي أيضا ستحدد مستقبل هذه القوى في أى إنتخابات قادمة على مستوى الكنيست العشرين.

وإلى جانب هذه القضايا تطرح ملفات المفاوضات مع الفلسطينيين، والعلاقات مع أوروبا، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وخصوصا العلاقات المتوترة بين الرئيس الأمريكي أوباما ونتنياهو بسبب دعم الأخير لرومني في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة.

ومن التحيديات الكبيرة ما تعانيه إسرائيل من عزلة دولية بسبب سياساتها ألإستيطانية في الأراضي الفلسطينية.

في ضؤ كل هذه الإعتبارات، وعلى الرغم من أن نتنياهو يملك خيارات كثيرة لتشكيل حكومته، لكنه، وفي جميع الأحوال سيجد نفسه رئيسا لحكومة تتحكم فيها القوى الأخرى.

ولعل أبرز الخيارات المتاحة أمامه حكومة بدون الأحزاب الدينية أي من ألأحزاب العلمانية والوسط، أي من "هناك مستقبل" و"البيت اليهودي" وقاعدتها البرلمانية ستكون 67 مقعدا في الكنيست، لكن هذا الخيار ضعيف، لأن كل الحكومات السابقة في إسرائيل كانت تحرص على مشاركة حزب أو أكثر من الأحزاب الدينية للتأكيد على يهودية الدولة، وحتى تتجنب أي نقد وتظاهرات من هذه القوى.

وأما الخيار الثاني وهو حكومة ضيقة من القوى اليمينية الفائزة، أي بـ61 مقعدا في الكنيست وهو خيار ضعيف لأنه سيجلب العزلة الدولية أكثر على إسرائيل، وسيكون في مواجهة معارضة قوية.

والخيار الثالث وهو خيار حكومة موسعة من 85 مقعدا في الكنيست تشمل قوى من المعسكرين، لكنها ستكون متناقضة في تركيبتها وعاجزة عن إتخاذ قرارات سياسية كبيرة، وهذا الخيار ليس مستبعدا مع التخفيف منه، بمعنى إستبعاد بعض القوى الدينية مثلا مثل "شاس".

وأخيرا خيار ضعيف وهو إمكانية تشكيل حكومة من الوسط واليسار بمشاركة حزب ديني أي حوالي 64 مقعدا، ولكنه إحتمال قائم يشكل دافعا لنتنياهو أن يسرع في تشكيل حكومته وبأي ثمن سياسي يدفعه للأحزاب المشاركة وخصوصا "هناك مسقبل" أو حزب "البيت اليهودي" بزعامة بينت بنتالي وهو حزب الحاخامات والمستوطنين.

وهكذا يجد نتانياهو نفسه أمام فكي كماشة من حزب "هناك مستقبل" و"البيت اليهودي"، وفي النهاية سيجد نفسه رئيسا بلا حكومة.

والخطورة في مثل هذه حكومة أنها تأتي في سنة من التحديات الإقليمية الكبيرة التي تواجه إسرائيل وما يتعلق منها بالملف النووي الإيراني الذي من مهام هذه الحكومة حسمه، وهو الورقة القوية في يد نتنياهو لتشكيل حكومته، فهل ينجح هذه المرة؟!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com