2013-01-27

دعوة لبيد للمقاطعة مناكفة أم حنكة سياسية؟ وما هي ملامح المرحلة التفاوضية القادمة؟!


بقلم: زياد أبو زياد

نقلت وسائل الاعلام عمن وصفته بمسؤول فلسطيني كبير بأن الرئيس عباس يعتزم دعوة يئير لبيد رئيس كتلة "يش عتيد" – أي يوجد مستقبل، التي فازت بتسعة عشر مقعدا في الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة إلى المقاطعة برام الله وأن هذه الدعوة تأتي في سياق سلسلة من اللقاءات التي يعتزم الرئيس عباس إجراءها مع عدد من رؤساء الكتل والفائزين في الانتخابات الاسرائيلية. ومع أن المرء لا يعرف مدى صحة هذا القرار الذي تناقلته وسائل الاعلام الفلسطينية والعربية نقلا ً عن الموقع الالكتروني "واي- نت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إلا أن هذا النبأ يستحق التوقف عنده ومناقشته.

وأول ما يخطر على البال حين قراءة هذا النبأ هو التساؤل عن جدواه وجديته وما إذا كان قرارا ً سياسيا ً أم محاولة لمناكفة نتنياهو، وهل سيستجيب لبيد لهذه الدعوة - إن كان النبأ صحيحا- ً أم أنه سيرفضها ولو بأدب تحسبا ً مما يمكن أن يكون لها من أثر سلبي على الساحة الاسرائيلية التي ستشهد بدءا ً من يوم الأربعاء القادم سلسلة من اللقاءات التي سيعقدها الرئيس الأسرائيلي – وليس الفلسطيني – مع رؤساء الكتل البرلمانية الفائزة ليستمزج رأيهم - حسبما هو متبع في التقليد الأسرائيلي - فيمن يرشحون لتشكيل الحكومة الاسرائيلية القادمة.

لقد ظهرت نبرة من الشماتة أو التفاؤل في تصريحات العديد من الناطقين الفلسطينيين في تعليقاتهم على نتائج الانتخابات الاسرائيلية سواء بالاشارة إلى أنها تُشكل نكسة أو هزيمة لنتنياهو أو أنها تثبت بأن الشعب الأسرائيلي يريد السلام والحل السياسي ولا يؤيد سياسة نتنياهو التوسعية . وبالرغم من إجماع المراقبين علن أن نتائج الانتخابات الاسرائيلية لم تكن كما أراد نتنياهو إلا أن تلك النتائج إن دلت على شيء فإنها تدل علن أن قوة اليمين لم تضعف بل زادت تطرفا ً وأن المجتمع الأسرائيلي معني بشؤونه الداخلية أكثر من أي شأن آخر وأن السلام مع الفلسطينيين لا يقف على رأس سلّم أولوياته.

 وفي الحقيقة فإن تحليل نتائج الانتخابات الاسرائيلية يتطلب مقالا ً خاصا ً بذلك وهو الأمر الذي لا أقصده من كتابة هذا المقال وإنما أريد مناقشة أسلوب العمل السياسي الفلسطيني وخاصة ً على الساحة الاسرائيلية.

يقولون "إعرف عدوك".. ومعرفة العدو تساعد على معرفة كيفية التعامل معه، فهل نحن نعرف الجانب الاسرائيلي حق المعرفة ونعرف بالتالي كيف نتعامل معه؟

أشعر أحيانا ً بأن البعض تقوقع في معرفته بالجانب الاسرائيلي عند فترة زمنية سابقة يرفض أن يُغادرها، وأقول البعض وأعني البعض. فالمجتمع الاسرائيلي متغير، وتطورات الصراع بيننا وبينهم تترك بصماتها على سلوكهم، ناهيك عن حقيقة أن الاسرائيليين شأنهم شأن غيرهم من المجتمعات الحديثة يشهدون نهوضا ً لقوى اليمين وتراجعا ً لقوى اليسار والديمقراطية.

والتعامل معهم يقتضي أن نأخذ بالحسبان كل المتغيرات الاجتماعية والأيديولوجية والاقتصادية وما تمليه حقائق الأمر الواقع على الأرض، إضافة ً للتطرف الديني المتزايد والآثار السلبية الكبيرة التي تُحدثها عملية غسل الدماغ المستمرة التي يتعرض لها الاسرائيليون والتي تهدف إلى الابقاء على شعور الخوف وعقدة التمترس - أو عقدة متساده - وتفسير الصراع على أنه نابع عن الكراهية الدينية المتأصلة تاريخيا ً عند المسلمين ضد اليهود.

التعامل مع الاسرائيليين يقتضي أخذ كل هذه الاعتبارات وليس بعضها بالحسبان.

وأعود لأتساءل: ما الذي تبغي القيادة الفلسطينية تحقيقه من دعوة لبيد أو غير لبيد إلى المقاطعة؟ هل هي محاولة لدق إسفين بين لبيد أو غيره وبين نتنياهو من قبيل المناكفة، هل هي محاولة للتأثير في شكل التشكيلة الحكومية الاسرائيلية القادمة وبالتالي التدخل بالشأن الاسرائيلي الداخلي، أم أنها محاولة للعودة إلى المفاوضات والتفاوض مع من لا يملك حق أو صلاحية التفاوض؟!

لا أعرف كيف يتم اتخاذ القرارات الفلسطينية ولكنني أتساءل: لقد أوقفنا المفاوضات منذ ثلاث سنوات واشترطنا للعودة إليها أن تقوم إسرائيل بوقف الاستيطان فما الذي حدث؟ لقد جلسنا ننتظر معجزة تجعل إسرائيل توقف الاستيطان وأعطيناها ثلاثة أعوام ذهبية استمر الاستيطان فيها بكل قوة وظهرنا بمظهر المسؤول عن ذلك لأننا نرفض العودة للتفاوض، مع أنه كان الأولى أن يوضع هذا الشرط وشرط إطلاق سراح الأسرى في صُلب اتفاقية أوسلو لا بعدها بأكثر من خمسة عشر عاما ً.

أنا لست ضد اشتراط وقف الاستيطان لكي نعود للتفاوض ولكنني أعتقد بأن قرار وقف المفاوضات لحين وقف الاستيطان كان يجب أن يرافقه " عمل " فلسطيني ضاغط يجبر الاسرائيليين على إعادة حساباتهم واستنتاج أنه في مواجهة العمل الفلسطيني فإن وقف الاستيطان والعودة للتفاوض هو أجدى لهم وأقل كلفة من استمرار الاستيطان . نحن لم نفعل شيئا ً ، وجلسنا ننتظر وهم يعملون وبكل ما أوتوا من مال وقدرة مما ضاعف الاستيطان بشكل مذهل.

نحن على أبواب مرحلة تفاوضية جديدة فلماذا الاستعجال والهرولة نحوها بأي ثمن؟! ما أتوقعه من القيادة الفلسطينية هو أن تُكرس كل جهدها وعصفها الذهني للاعداد لكيفية مواجهة المرحلة القادمة بدءا ً من العام الحالي الذي يُشكل نقطة تحول مصيري، فإما أن تضع المنطقة أقدامها على طريق بداية تفكيك الأزمة والسير نحو الحل السياسي للصراع وإما السير في الاتجاه المعاكس.

نفتالي بينيت زعيم البيت اليهودي هو النجم الجديد الساطع في سماء اسرائيل ومستقبله مضمون أكثر من يئير لبيد ذلك لأن بينيت يُحظى بدعم حزب أيديولوجي يجمع بين التطرف الديني والقومي الصهيوني العلماني، أما لبيد فلم يُحسم مصيره بعد وقد يكون ظاهرة موسمية سرعان ما ستختفي كما حدث في الماضي مع البروفيسور يغئال يادين وكما حدث مؤخرا ً مع والده تومي لبيد الذي أسس حزبا ً وفاز فوزا ً ساحقا ً وأصبح وزيرا ً للعدل أيام شارون وشارك في المفاوضات مع حكومة محمود عباس في حينه  ثم سرعان ما تفتت حزبه وتلاشى عن الخريطة السياسية.

نفتالي بينيت يقول بكل صراحة ووضوح بأنه ضد التنازل عن أي شبر من أرض إسرائيل وأن على الفلسطينيين أن يجدوا لهم مكانا ً شرقي النهر، ولكنه يُضيف بأنه مستعد للجلوس في حكومة نتنتياهو حتى لو استأنفت المفاوضات مع الفلسطينيين طالما أن تلك المفاوضات ستكون بهدف التفاوض ولا شيء أكثر. هذا القول هو في حقيقة الأمر ما يعتزمه نتنياهو في حكومته القادمة فهل فكرنا في كيفية التعامل مع ذلك؟

في اعتقادي أننا على أبواب مرحلة تفاوضية قادمة ستحاول فيها الادارة الجديدة للرئيس أوباما تحقيق تقدم نحو الحل السياسي. وأنا أقول ذلك استنادا ً الى بعض الملامح التي بدأت تتشكل في واشنطن والاعتبارات التي ستحكم السياسة الأمريكية والأوروبية في المرحلة القادمة.

العالم بشكل عام أصبح يضيق صدرا ً بالسياسة الاسرائيلية ويرغب في رؤية نهاية للصراع لأن لديه أجندة اقتصادية وسياسية في المنطقة هي أهم من استمرار هذا الصراع . وأما الادارة الأمريكية فإنها ترغب في التفرغ لمشاكلها الداخلية بعد حسم الملف الايراني ولا تريد مزيدا من الصداع الذي يسببه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعد أن تم تمزيق العالم العربي وشطب ما يسمى بالصراع العربي الاسرائيلي من قاموس المنطقة لسنوات طويلة قادمة إن لم يكن إلى الأبد.

ويرى البعض في تعيين وزير الدفاع الأمريكي الجديد تشوك هيغل وهو من أشد المعجبين بالرئيس الأمريكي أيزنهاور الذي أرغم إسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1956، ويُقال أنه اشترى ستة وثلاثين نسخة من كتاب مذكرات أيزنهاور لمؤلفه ديفيد نيقولس ووزعها على أصحابه من صناع القرار بواشنطن بما في ذلك الرئيس أوباما ، ووزير الخارجية جون كيري الذي يؤمن هو الآخر بضرورة إحداث اقتحام في العملية السياسية، مؤشرات على التغيير القادم في السياسة الأمريكية.

هذه الملامح الجديدة للمرحلة القادمة تتطلب أن لا نندفع وحدنا نحو الجانب الاسرائيلي لتخفيف الضغط الدولي المتوقع أن يمارس عليه ، وإنما الاندفاع نحو ترتيب البيت الداخلي وتحقيق أكبر قدر من الوحدة الوطنية الفلسطينية لأنها هي وحدها التي يمكن أن تعزز صمودنا أمام الضغوط التي ستمارس علينا في سياق المساعي المتوقعة لتحقيق تسوية للصراع.

 ما يعني أمريكا والغرب هو تحقيق تسوية أية تسوية وبالتالي فبقدر ما نكون قادرين على الصمود أمام الضغوط بقدر ما نستطيع رفع مستوى ما نستطيع تحقيقه من أهدافنا . وهنا فإنني أدعو إلى التريث قليلا ً قبل الهرولة نحو الاسرائيليين وتكريس كل الجهد لتحقيق المصالحة الوطنية وإفشال المساعي التحتية التي تجري لافشال المصالحة من قبل أناس يتحدثون عن المصالحة تحت الأضواء ويعملون على إفشالها في الخفاء.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net