2013-01-27

"في معنى آفاقية الآفاق": الشهادات والتاريخ الاجتماعي


بقلم: د. فيحاء عبد الهادي

"النصر هو دائماً زهرة الأفق.. والهزيمة هي دائماً ثقب المنظور"        عدنان كامل سالم

*****

كانت الآفاقية باكورة اللقاء؛ إذ لم يتسنَّ لي لقاء "عدنان كامل سالم"، رغم صداقتي الممتدة مع العائلة؛ ولكني سمعت عنه كثيراً؛ عن ذكائه، وعبقريته، وشخصيته القوية الجذابة، وألمعيته، وفكره الثاقب؛ وأعتبر أن بداية تعرفي إليه هي قراءتي لكتابه، الذي أعدَّته وقدَّمته زوجه د. "لينا الرافعي"، ونشرته في الذكرى الأولى لرحيله: 4 شباط 2011.

أسرتني "لينا" بكلماتها ومشاعرها، وبانشغالها الدؤوب، بتوثيق ما أنتجه عدنان، من كتابات، وبمراسلة، ومقابلة، كل من سمعت أنه يعرفه، من بعيد أو قريب.

بدأت بنشر كتاب له وعنه، بعنوان: "في معنى آفاقية الآفاق/ مع شهادات عنه"، يحمل اسمه كمؤلف، وعنوان مقالة تجسد فكره، نشرها في مجلة آفاق عربية عام 1976، مع شهادات جمعتها، من بعض من عايشوه، أوعملوا معه، أو عرفوه.

*****

يحتوي الكتاب على أصوات متعدِّدة؛ لكنها حقيقة صوت واحد: صوت عدنان، من خلال إنتاجه، ومن خلال زوجه، وبعض أصدقائه وزملائه. وهنا يبرز سؤال ملحّ: هل يمكن للشهادات أن تكون مصدراً من مصادر التأريخ الاجتماعي للأفراد وللمجتمعات؟

*****

من خلال الشهادات؛ أرَّخ الكتاب للدور الذي لعبه "عدنان كامل سالم"، على الصعيد السياسي، والتنظيمي، والثقافي، كما أرَّخ للحقبة الزمانية، التي عاشها، منذ التزم صغيراً، في نابلس، بحزب البعث العربي الاشتراكي، معتنقاً الفكر القومي العربي، وفي عمان؛ مساهماً في تأسيس الاتحاد العام لطلبة الأردن، والاتحاد العام للمعلمين في الأردن، مروراً بعلاقته الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيسها، في بيروت، إلى حياته العملية في الكويت، وسوريا، وبغداد، وأخيراً حياته ووفاته في باريس، التي شهدت محاولة اغتياله حيث "لاحقته المخابرات الصهيونية، نظراً لنشاطه النضالي، وتأثيره في الأوساط الثقافية الفرنسية، واعتدت عليه عام 1969 بضربة على رأسه، بآلات حادة، أدت إلى كسر في الجمجمة، ونزيف في شرايين الدماغ، استوجب إجراء عملية دقيقة له، وبقائه في المستشفى أشهراً عدة". وشهدت نشاطه الثقافي المتميِّز، حين عيِّن في منظمة اليونيسكو/ رئيساً للدائرة الثقافية والدائرة الفلسفية فيها، وحين عيِّن رئيساً لجهاز الإعلام والاتصالات بين اليونيسكو والدول العربية، كما شهدت باريس رحيله؛ وإن كان قد دفن في مقبرة الشهداء في شاتيلا في بيروت.

ورغم ذلك؛ بقي الكثير مما لم يوثَّق من حياة الفقيد؛ ليس بسبب الكثير من الشهادات التي يجدر استكمالها فحسب؛ ولكن بسبب قصور منهج الشهادات، عن استنطاق المسكوت عنه، والدخول إلى أعماق الشخصية؛ مما يتيحه منهج آخر، هو منهج التأريخ الشفوي.

لمسنا تناقضاً داخل الشهادات، منها ما أكَّد أنه لم يتوقف يوماً عن الكتابة، ومنها ما قال إنه لم يكن شغوفاً بالكتابة، ومنها ما قال إنه كان يرفض الكتابة لأنه ربما لا يحب أن ينشر، ومنهم من قال إن عدنان كان من أهم الكتاب الشفهيين الذين عرفهم؛ فكيف نصل إلى حقيقة قناعاته حول الكتابة، التي كرَّس لها حياته، واعتبرها جوهر وجوده، على حدِّ تعبير رفيقة دربه؟! هل "بعد بكير"؟! أم إنها خشية أن يكتب اليوم ما يمكن أن يندم على كتابته غداً؟! بناء حواره مع صديقه، مدير مجلة الرسالة الكويتية، وجريدة الأحرار البيروتية، "سالم عبد الباقي"؟! أم هي عدم الرغبة "أن يسجن في نص"؟! بناء على شهادة الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي "معن بشور"؟!

وهل "كانت لديه نظرة ديمقراطية، فلا يعادي من لا يقتنع معه"، كما شهد صديقه الكاتب اللبناني "جهاد كرم"؟! أم إنه "لم يكن يتقبل النقد، أو الرأي المخالف له"، كما شهد عضو مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وصديقه "مازن الدجاني"؟!

كان يمكن لمنهج التاريخ الشفوي أن يستفسر من الأصدقاء المقرَّبين، عن سبب عزوفه عن الكتابة؛ رغم أنه كان يبهر سامعيه حين يتحدَّث، وحين يكتب!

كان يمكن للمنهج، الذي يعتمد المقابلات، أن يسبر غور الشخصية، وأن يقارن بين الشهادات، للوصول إلى صورة أكثر دقة وإنصافاً لحياته، مما يؤرِّخ له، ولزملائه، ولأشكال النضال الثقافي والسياسي، في الحقبة الزمنية التي عاشها. 

*****

تتدفَّق الأسئلة، بعد قراءة كتاب "في معنى آفاقية الآفاق/ مع شهادات عنه": هل هناك آفاق للآفاق؟! وما معنى أن نكون آفاقيين؟ وما نتيجة أن لا نكون؟!

ثم، هل يزهر الأفق؟! وهل يمكن أن يثقب المنظور؟! وما هو المنظور؟ وما مفهومه للأفق؟
ثمَّ، ماذا يعني بضرورة التفكير الميتا استراتيجي لاستعادة الأمة لأفقها القومي؟

"المنظور هو الحاضر الواقع الراهن، وهو بما هو كذلك، أي بقدر ما يبقي في حدوده المنظورية، واقع لا أفق له. إنه يستنفذ ذاته في هذه العلاقة الناجزة".

"أفق الشيء والأشياء كلها، أولاً، "كلُّ الشيىء وكلِّيتُه"، و"كلُّ الأشياء وكلّيتُها"، أي أنه ليس مجرَّد هذا "الجزء"، أو "المقطع"، أو "المرحلة"، أو الحالة الحاضرة التي يرتبط الشيىءبموجبها مع ذاته ومع بقية الأشياء (أو الذي ترتبط بموجبه الأشياء كلَّها مع بعضها ومع كلِّيتها) في هذه اللحظة أو تلك).

آمن الكاتب "أن الأشياء كلها هي في حدِّ ذاتها وفي حقيقتها العميقة آفاق، وليست مجرد منظورات، بمعنى أن "منظورية" الأشياء إنما تقع خارجها، خلافاً لآفاقيتها التي هي مبدأ وجودها وصيرورتها ذاته". ولذا فقد رأى الكاتب خطورة التخفيض المنهجي للأفق، وتحويله إلى منظور.

أما التفكير الميتا استراتيجي، فهو التفكير الذي يفهم "الطابع الاستراتيجي والوظيفي للفكر الغربي المعاصر، في كل تياراته المهيمنة، وفي كل ميادينه (السوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والسيكولوجيا، وعلم اللغة، وعلم السياسة بصورة عامة...االخ)"، ويدرسه ويستوعبه جيداً، وفي ذهنه منذ اللحظة الأولى حتمية وضرورة تجاوزه، من أجل مستقبل آفاقي.

*****

اختارت د. "لينا رافعي" لوحة دالة ومعبِّرة للكتاب؛ هي لوحة تظهر إلهة الحكمة والاستراتيجيا عند الإغريق "منيرفا تنبعث من رحم البنفسج"، كما أسماها الرسام علي "Street Art Artist".

هل تنبعث "منيرفا" من رحم واقعنا الفلسطيني، لنستطيع الوصول إلى آفاق فكرية خلاّقة، تضمن لنا النصر، الذي هو "دائماً زهرة الأفق"؟ّ

* كاتبة وباحثة فلسطينية من مدينة نابلس. - faihaab@gmail.com