2013-01-27

أكثر ما يُقلق في مصر..!!


بقلم: عدلي صادق

عند ماذا يتوقف المرء وعن ماذا يتجاوز، في هذا المشهد المصري الأليم؟!

كنا نتمنى أن تصفو مناسبة الاحتفال بالذكرى الثانية للثورة، وأن تزدهي الساعات الماضية، بالبرهنة على رغبة المصريين في توليد أفق وطني ديمقراطي، يُنسب الى كل أطياف التيار الشعبي العريض، الذي شاهده العالم قبل عامين. لكن الذي اتضح، هو أن آلام المصريين، في مخاض الثورة وتوابعها، باتت أكبر من آلام آخرين في مخاضات أخرى. وما زال ذوو النوايا الطيبة والمشاعر الوطنية المعززة بالوعي؛ يتمنون أن يجري السجال السياسي، دون أن الخروج عن مجرى الدولة التي لا بد أن تشق طريقها الى مكانتها المُهابة، فلا يستقوي عليها طرف بجماهيره، ولا تتجبر هي بما ينعقد لها من هيبة واقتدار..!

شهدت مصر أحداثاً كثيرة، خلال العامين المنصرمين. وبدت القوى والجماهير، كمن تُعيد اكتشاف دواخلها ودواخل بلادها. أما الطامة الكبرى، فقد كان مصدرها تلك النـزعة التي لوحظت في الأطر الحزبية الإسلامية، لإعادة تأسيس الشعب نفسه والدولة. وعندما ارتقت مجموعة من هؤلاء، الى سويّة الحكم، ثم أحاطت بها من كل جانب دواعي وضرورات الأخذ بالاستنارة وبالقيم الوطنية الشاملة؛ بدا واضحاً أن مجموعة الحكم، وقعت هي في المأزق، علماً بأنها جاءت لكي تحل أزمة البلاد وتفك مأزقها!

يتساوى الموالون مع المعارضين، في حجم إسهام كل منهما في أزمتيْ مرسي والدولة. فقد استأنس الطرف الأول، بموقع رئيس الجمهورية ومسؤوليته وصلاحياته، لكي يتعجل في ممارسات التمكين التي استثارت المعارضين. وبدأ هذا الطرف الأول، ليس من حيث ينبغي أن يبدأ، وإنما من حيث ينبغي ينتهي إن استطاع إكمال سعيه. أي بدأ بالاستحواذ على عملية صياغة الدستور، وبتمظهرات القوة المنظمة، وبتعقب آثار المنافسين إن كان ما زال لديهم فائض قوة، لدرجة ترك مهام التغيير وتأكيد الصدقية، والانصراف الى مهام التعقب الكيدي بتحريك الدعاوى القضائية، لكي يصبح ـ مثلاً ـ المنافس في دورة حسم الانتخابات الرئاسية، وهو الذي حصل على نحو 80% من حجم أصوات المرشح الفائز؛ مطلوباً لعدالة السلطة الجديدة، على أرضية اتهامات من النوع الذي يليق برئيس بلدية او مجلس محلي. وسرعان ما لاحظ الناس، أن حزب السلطة الجديدة أو مؤيديه، حاولوا ـ فيما يدعو الى الدهشة ـ إخراج الصراع السياسي من ساحة المؤسسات الدستورية، وتكليف عناصر من الحزب الحاكم، بالاعتداء على خصوم سياسيين، وكانت تلك سقطة كبيرة. وبكل هذا التعجل على صعيد المسائل التي يمكن للموالين حسمها بسهولة لو نجحوا في بلوغ وضعية التمكين؛ أسهموا ـ إن لم يكونوا هم الذين تسببوا أساساً ـ في الاضطراب الذي ما زال قائماً..!

أما المعارضون، فإن حجم مسؤوليتهم ينشأ عن التزّيد الإعلامي والخطابي على الفضائيات وفي الشارع، مع المبالغة في تقدير حجم المخاطر الناجمة عن وجود "الإخوان" في الحكم، إذ جعلوا الدولة في فرضياتهم، وكأنها قابلة للأدلجة أو التلون، علماً بأن الدولة ـ كل دولة ـ كانت وستبقى إطاراً تتوافق عليه الجماعة لكي يكون حكماً نزيهاً بين الناس، بصرف النظر عن الأشخاص الطارئين الذين يتولون مواقع المسؤولية فيها، وإن لم تكن الدولة كذلك، فإنها تنهار ولن تكون دولة. ففي المثال الإيراني، المشحون حتى الدرجة القصوى بالإيديولوجيا، ظلت الأدلجة سمة الشرائح المتنفذه وسمة أطرها البيروقراطية. أما جسم الدولة فما زال عصياً وحبيس الفئات الحاكمة، ويكبر في حضنه مجتمع مدني أدهش العالم في كل مناسبة استجمع فيها إرادته للتعبير عن نفسه. وسيرى "الإخوان" في مقبل الأيام، كيف أن السلطة الإيرانية ذات الإرث الثوري الخميني ومرجعياته وملاليه، فضلاً عن الطموحات النووية، والجيوش والجحافل "الإيمانية" وعشرات الفضائيات الوعظية باللغتين الفارسية والعربية؛ لم تستطع كلها أدلجة مسمار واحد في تركيبة الدولة. فكل ما نجحت فيه هذه العناصر، أن قطعت إيران "الإسلامية" علاقتها مع الحياة السياسية والدستورية، ومع ثلاثة أرباع العالم، لتهنأ بعُزلة الحكم الشمولي..!

المعارضون المصريون لجماعة "الإخوان" تعجلوا أيضاً فأرادوا انكشافاً عاجلاً لـ "نوايا الجماعة" وطموحاتها، علماً بأن "الإخوان" ما زالوا أقوياء، ولن يتحقق إضعافهم سريعاً، أو من خلال هجاء خصومهم لهم. سبب أي إضعاف لقوة حزبية رائجة وتعتمد على الدين، هو خُلاصات تجربة المجتمع معهم، وما ينتج عنها من انصراف المغرر بهم من المناصرين. فربما يربحون هم الرهان، إن تصرفوا بعقلانية ونجحوا في محاولة بدت واضحة في البداية، لإخفاء نوايا الاستحواذ، وإظهار قيم التسامح وتقبل الآخر والسلوك الوطني..!

على أية حال، يظل الأمر المقلق، في المشهد المصري الراهن، هو حال الانفعال الشديد، الذي يُخشى معه أن تتفاقم الأمور وتتداعى ـ لا سمح الله ـ الى اشكال وممارسات خطيرة. عندئذٍ، ستكون الديكتاتورية العسكرية ذات المقاصد النبيلة، أفضل وأكرم وأسلم. فلا سبيل الى النجاة والى انتصار الثورة، بغير توجه الجميع الى أفق وطني ديمقراطي، يعزز هيبة الدولة، ويصون النظام العام، ويحمي المؤسسات، ويحقق أهداف الثورة..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com