تختلط الذكرى الثانية لـ ثورة 25 يناير، التي أطاحت مبارك وحزبه وأصفياءه؛ بنذُر شؤم أو قلق، ليس ما يُطمئِنُ فيها ومعها، سوى الناموس الرباني أو الطبيعي، الذي لم يتخلف على مر التاريخ، عن ميعاد مع "المحروسة"، لكي يجعلها بلداً آمناً، ينعم بالسلام الاجتماعي، وتتمكن من طبائع ناسه، مشاعر الرضا والاطمئنان الوجداني، والخوف على الوطن..!
لكن ما يجري في هذه اللحظة المسكونة بتوترات شتى، يلوّن الذكرى الثانية للثورة، بسمات وملامح ما يطفو على سطح هذه الأوقات. فالإعلام يغالي كثيراً في هجاء الحكم، وكأن مصر لم تشهد انتخابات رئاسية شفافة، أو كأن مجتمعها بسيط ومتواضع في مستوى تطوره الاجتماعي والثقافي، كأفغانسان مثلاً، بحيث ينتقي الآخرون رجلاً منها، ويرمون على ظهره العباءة الخضراء، أو أن يفوز في انتخابات نزيهة، رجل يتدثر بعباءة خضراء؛ فيذهب البلد أخضراً له سمة اللحية الكرزاوية. فأفغانستان نفسها، وهي مجرد كهوف تتناثر السقائف في أوديتها وسفوحها؛ لم تهضم ذا العباءة الخضراء عندما أحس المجتمع، أنه يرعى فساداً ويحرس زمناً رديئاً وهواناً لا يليق بكبرياء أهلها. فقد باتت أيام ذي العباءة، ثقيلة مريرة، يفتش هو وحلفاؤه، لأنفسهم ولأفغانستان، عن مخارج تصالحية. فما بالنا والأمر يتعلق بمصر التاريخ والحضارة والتنوع والدور..!
الذين رموا العباءة الخضراء، على ظهر مرسي، هم المصريون من خلال انتخابات نزيهة. لذا فإن المعارضين والمعترضين، ينبغي أن يأخذوا هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وأن يتقبلوا دورهم الذي تتيحه لهم الديمقراطية، وأن يعلموا أن مدة الولاية الرئاسية، هيب مسافة يُختبر فيها الكثير من القدرات البناءة والحميدة، من بينها قدرة المجتمع وقواه السياسية ومؤسساته الإعلامية، على رصد الأخطاء، والحث على دوران عجلة الانتاج، والذهاب الى التنمية. وللأسف، بدا الحديث عن "أخونة" الدولة، مُخلاً، في كثير من تعبيراته ومخاوفه، عن المنطق السويْ. فمن يعرفون طبائع الدول يدركون أنها لا "تتأخون" ولا تتلون، لأن الدول ليست ضفادع ولا ألواح زجاج عاكس. فعبد الناصر نفسه، لم يلون مصر بلونه. فما أن انتهى عمره ودوره، حتى تبدلت ألوان المرحلة. إن ما يتلون هو المراحل والحكومات التي تأخذ ألوان القائمين عليها. وهذا حقهم لا سيما إن كان لديهم برنامجهم الاجتماعي الاقتصادي التنموي الذي يريدون تطبيقه. والبرامج ـ صغيرها وكبيرها ـ تظل عُرضة للاختبارات، أما الدستور الذي جرى التصويت عليه في مصر، فعلى الرغم من افتقاره لأغلبية تتخطى ثُلثي المقترعين، ما يجعله جديراً بأن يكون دستور البلاد والمجتمع، وعلى الرغم من النواقص والثغرات الإجرائية في إعداده؛ فإنه يضمن للإرادة الشعبية أن تعبر عن نفسها وأن تتمكن من تأمين شرط التداول على السلطة. لذا فإن ما يجري ويتداعى على صعيد الإعلام، مفجع ولا يحقق شيئاً مفيداً. بالعكس هو متجنٍ ويزيد الاحتقان ويؤسس لمرحلة تباغض حاد، ويعطل كل شىء، بينما البلاد دخلت مرحلة الخطر الاقتصادي، الذي إن استمر فستنشأ عنه مخاطر شتى. فأي خلاف سياسي أو حزبي هذا، الذي يتيح للصحافة أن تتمادى في السخرية، لكي ترسم رئيس الجمهورية بسمات ذوات الأربع، أو أن تتناول شؤونه الشخصية وحياته وهيئته التي خلقه الله عليها؟ وإن كان نقص الجدارة في الأداء، عند مرسي ومجموعته، صحيحاً، فلن يكون أشد نقصاً من الجدارة عند المقدم جمال عبد الناصر الذي نحب ونحترم، في العام 1954 مثلاً، وهو يقف على رأس بلد ينتقل من عهد ملكي ويتلمس طريقه الى بناء نظام جديد من الألف الى الياء..!
وبالإضافة الى الإعلام، دخل على الخط، جمهور الهوس المجاني، المتلطي برياضة كرة القدم، وهو الجمهور الملقب بـ Ultras. إننا أمام هؤلاء، بصدد طبعة عربية مستحدثة، لما حدث في ثلاثينيات وأربعينيات أوروبا والبرازيل، من توافق على العمل ببعض سمات الأحزاب الفاشية، التي تعتمد على تهييج الناس على الناس، تحت عناوين الحماسة للفرق والأندية الرياضية، مع تكريس حالة مؤسسية لهذا المنحى، لها أعلامها ورمزياتها، بل ونعوتها للمواكب وللأفراد وللمهمات. فهؤلاء في لوائحهم أو "دستورهم" يفرضون على الفرد أن يظل يصرخ معهم في المدرجات، وألا يتخلف عن "منازلة" وألا يقرأ صحيفة أثناء النـزال، وأن يترك أهله وعمله ورزقه ومسؤولياته إن بقيت له مسؤوليات؛ لكي يسافر في هذا السياق تتبعاً لوقائع النـزال الرياضي، ومن لا يفعل ذلك ينقص إيمانه ليس بالوطن، وإنما بالمعتقد الهُلامي الذي يسمونه النادي أو الفرقة الجدارية الكبرى التي تحمل رمز "الألتراس". وبحكم أن بلدان شمالي إفريقيا الناطقة بالفرنسية مع العربية، كانت الممر الذي وصلت منه الينا مفردات هذا المستحدث المزعج؛ فقد أصبحت تعبيرات البسطاء المصريين عن اسم الجموع ومهماتها يجري على ألسنتهم بألفاظ فرنسية. وهؤلاء الأقصويون ـ من خلال اسمهم باللاتيننية Ultras ـ يطرحون أنفسهم اليوم دعاة ثورة وطنية، فيما الثورة هي قرينة العدالة وأخت الحرية، وشقيقة الإخاء والتكامل بين المناطق والمدن والنجوع والأرياف..!
كأن ما يجري في مصر اليوم، هو قيامة صغرى، ليس فيها ما يُطمئن، سوى الناموس الرباني الذي يؤكد في كل العهود، على أن مصر ستنجو، وأنها ستظل آمنة على الرغم من صخب إعلامها وقيامتها الصغرى..!