2013-01-23

وتبقى الإنتخابات الفلسطينية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لماذا الإنتخابات الفلسطينية؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على الأجندة السياسية الفلسطينية، وخصوصا بعد أن إنتهت الإنتخابات الإسرائيلية، وقبلها الإنتخابات الأمريكية. والأخيرتان وبما أنتهت إليه في الأولى بفوز الرئيس اوباما لفترة رئاسية ثانية وأخيرة، وهي إنتخابات تلقي بتداعياتها بقوة على مجرى القضية الفلسطينية، ومستقبل عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ومن ثم مسقبل الدولة الفلسطينية، وذلك بحكم الدور المؤثر الذي تلعبه السياسة الأمريكية ليس فقط في تفاعلات السياسة الفلسطينية، ولكن أيضا على مستوى سياسات دول المنطقة، والإنتخابات الثانية وهي الإنتخابات الإسرائيلية والتي أعادت نتانياهو لرئاسة الحكومة الإسرائيلية من جديد بإئتلاف يميني متشدد، والمتغير الإسرائيلي يؤثر وبشكل مباشر في تحديد أولويات السياسة الفلسطينية، وخياراتها السياسية، وخصوصا ما يتعلق بخيار المفاوضات، وإنهاء الإحتلال للأراضي الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية الكاملة، وأيضا بتحديد المفاضلة بين الخيارات الفلسطينية ما بين المقاومة والمفاوضات.

ولا يقتصر تأثير الإنتخابات الإسرائلية وما أفرزته من إئتلاف حكومي جديد على الخيارات الفلسطينية السياسية، بل على مستقبل السلطة الفلسطينية، وعلى الأوضاع الإقتصادية الفلسطينية بتحكم إسرائيل بعائدات الأموال الضريبية، وهي أموال فلسطينية، وتحكمها ايضا في قدرة السلطة الفلسطينية في إدارة مواردها الإقتصادية، وإلى جانب الإنتخابات الأمريكية والإسرائيلية، أجريت أيضا إنتخابات في دول مهمة ولها دورها في تطور الأوضاع السياسية الفلسطينية سواء في إتجاه تعميق حالة الإنقسام أو المصالحة، وأهم هذه الإنتخابات التي تمت في مصر وأكدت فوز الإسلاميين بالحكم، وما لذلك من تأثير مباشر لا يمكن تجاهله.

هذه التحولات السياسية على المستويين الإقليمى والدولى تحتم أن تكون هناك إنتخابات فلسطينية، ليس فقط لإنهاء الإنقسام السياسي الفلسطيني، ولكن أيضا لإعادة بناء المنظومة السياسية الفلسطينية على أسس توافقية، وعلى التأكيد على البرنامج السياسي القادر على التكيف والتعامل مع التغيرات في بيئة القضية الفلسطينية.

وبهذا المعنى تصبح الإنتخابات الفلسطينية حتمية تستوجبها المصلحة الوطنية الفلسطينية لأكثر من سبب: الأول إن القضية الفلسطينية لها مكوناتها الإقليمية والدولية التي لا يمكن القفز عنها بل هي تشكل جزءا أساسيا من بيئة النظام السياسي الفلسطيني، وثانيا أن الإنتخابات لا تعني مجرد تحول في دورة السلطة، وتولي قوة سياسية معينة بالحكم، بل تعني أي برنامج سياسي سيؤيده الفلسطينيون ويمنحونه موافقتهم، وثالثا أي برنامج سياسي سيكون قادرا على التعامل مع التغيرات والبرامج والرؤى السياسية التي تحكم في الولايات المتحدة وإسرائيل وعربيا. ورابعا وهذا هو الأهم أن المتغيرات تعني إستعادة القوة والفاعلية للمتغير الفلسطيني بإعتباره المتغير الرئيس في خيار التفاوض وخيار المقاومة، وفي التأثير على المتغيرات السياسية الأخرى الحاكمة والمؤثرة في مستقبل السياسة الفلسطينية. والمفارقة هنا التي قد تدعو للدهشة كيف لنا أن نطالب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، وكيف يمكن لنا أن نجعل من الدولة الفلسطينية دولة كاملة، وكيف يمكن لنا أن نطالب كل الفاعلين الدوليين من دول وفواعل من غير الدول والمتغير الفلسطيني مغيب وضعيف وذلك بسبب الإنقسام السياسي؟!

فخطورة الإنقسام السياسى لا يقتصر على وجود حكومتين وسلطتين، ولكن مع من ستتعامل الدول، مع الحكومة في غزة، ام مع الحكومة والسلطة في الضفة الغربية، ومن لها حق التمثيل؟ ولمن تذهب المساعدات المالية إلى آخر هذه التساؤلات التي لا تنتهى طالما أن الإنقسام مستمر. وعليه فالإنتخابات تعيد تصحيح كل نقاط الضعف التي لحقت بالقرار والسياسة الفلسطينية، وهي التي ستضع حدا لتراجع دور المتغير الفلسطيني، ويفترض إن المتغير الفلسطيني متغيرا واحدا وليس متغيرين متنازعين وغير متوافقين حول الخيارات والرؤية السياسية الفلسطينية الواحدة.

ومن هنا فلا بد من إجراء الإنتخابات لتاكيد الخيارات الفلسطينية من ناحية، ومن أجل التأكيد على وحدانية السلطة الفلسطينية وهى مكون رئيس من مكونات الدولة الفلسطينية. والإنتخابات الفلسطينية تكتسب اهمية لا تقل عن الإنتخابات الأخرى، لأنها ستفرض على الآخرين التعامل مع سلطة فلسطينية واحدة، ومع خيارات فلسطينية واحدة، وهذا من شأنه أن يؤثر في توجهات وقرارات وسياسات الدول الأخرى، بل وقد يلزمها بدرجات متفاوتة من الإستجابة للتأثير الفلسطيني، خصوصا وأن الإنتخابات في أسمى أهدافها أنها ستعيد القضية الفسطينية لتكون قضية لها تأثيرها على توجهات وخيارات الدول المهمة على المستوى الإقليمي والدولي، وعلى مستوى السياسات الإسرائيلية.

وبدون الإنتخابات الفلسطينية سيبقى المتغير الفلسطيني ضعيفا وعاجزا عن التأثير، بل وقد يحول القضية الفلسطينية كلها لقضية مساعدات مالية، لأن إستمرار أي من الحكومتين والسلطتين في غزة والضفة سيحتاج للمال، وللمال ثمن سياسي، والثمن السياسي سيكون على حساب الخيارات الفلسطينية.

وبدون التكيف والتغير في عالم من الثورات والتحولات السياسية ستتراجع القضية الفلسطينية وتختزل في منحة مالية من هنا او هناك. لهذا لا بد من الإنتخابات الفلسطينية وحتميتها سياسيا، لأن القضية الفلسطينية ليست فلسطينية فحسب، ولكنها أيضا إسرائيلية وأمريكية وأوربية وعربية وإسلامية في نتائجها وتداعباتها، وهي من قد يعيد للقضية الفلسطينية كل هذه المكونات والمحددات القادرة على نزع الشرعية عن إسرائيل.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com