2013-01-23

الانتخابات الاسرائيلية.. الشعب لا يريد الحسم..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

بعد فرز 99% من اصوات الناخبين الصالحة والتي بلغت اكثر من ثلاثة مليون ونصف، حيث ما تبقى هي اصوات الدبلوماسيين والجنود يتضح ان الناخبين قرروا عدم الحسم في اي قضية من القضايا التي تتبناها الاحزاب.

النتائج تشير الى تعادل تام بين كتلة اليمين واليمين المتطرف والمتدينين من ناحية وبين كتلة الوسط واليسار والاحزاب العربية من الناحية الاخرى. هذا يعني ان الناخبين الاسرائيليين اما انهم كانوا يقصدون التنوع وارضاء الجميع واما انهم في حالة من عدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب في طبيعة الطريق التي يجب ان تخطه اسرائيل لنفسها في السنوات الاربع القادمة.

الشارع الاسرائيل اراد معاقبة نتنياهو على اقترابه اكثر من اللازم تجاه اليمين وكأنه يقول له ننصحك بأن تعيد حساباتك السياسية والاقتصادية والاستيطانية، لذلك تراجع "الليكود" من سبعة وعشرين مقعدا الى واحد وعشرين مقعدا. لكن الشارع الاسرئيلي ايضا ضاعف من حجم المستوطنين حيث حصل البيت اليهودي على احد عشر مقعدا وكأن  الشعب يريد أن يقول: مزيدا من الاستيطان.

لكي تصبح الصورة اكثر تعقيدا، ليس فقط قوة البيت اليهودي تضاعفت والتي يعتبر الحزب الاكثر تطرفا بل ايضا الحزب الاكثر يسارية في اسرائيل، وهو حزب "ميرتس" بزعامة زهابا غلئون تضاعفت قوته ايضا حيث حصل على ستة مقاعد بعد ان كان له ثلاثة مقاعد فقط في الكنيست المنصرفة.

المفاجأة الكبرى لهذه الانتخابات هو حزب "هناك مستقبل" الذي يتزعمه يئير لبيد حيث حصل على تسعة عشر مقعدا ليصبح الحزب الثاني بعد "الليكود"، على الرغم ان  كل الاستطلاعات التي اجريت في الاسابيع الاخيرة لم تعطيه اكثر من اربعة عشر مقعدا. ما حصل عليه لبيد هو ايضا مؤشر آخر على ان الشعب ليس فقط يريد استيطان ويريد "ميرتس" بل ايضا يريد مزيدا من الاهتمام بالقضايا الداخلية التي ركز عليها حزب لبيد والتي اهمها رفع الظلم عن الطبقة الوسطى التي حٌملها نتنياهو العبئ الاكبر جراء سياسته الاقتصادية، وكذلك تمسكا بما طرحه في ضرورة اعادة توزيع الاعباء بما في ذلك الخدمة في الجيش. الشعب في انتخابه للبيد اراد ان يقول ان الوضع القائم منذ تأسيس الدولة والذي يعفي المتدينين من الخدمة في الجيش يجب ان يتغير.

الناخبون في اسرائيل ارادوا تصعيب المهمة على القادة السياسيين من خلال أخذ عينه من كل شيء.. اراد الناخب ان يقول للقيادات نحن سنجبركم على البحث عن القواسم المشتركة فيما بين فئات الشعب ومتناقضاته، نريدكم جميعا ولكن متعاونين ولا نريد ان تتفرد جهة او حزب او شخص بقيادة هذه السفينة.

من الناحية العملية، الناخب الاسرائيلي امر نتنياهو بقوة الصوت ان لا يرتمي في احضان اليمين وان لا يبالغ في إجراءاته الاقتصادية وان يخفف من عجرفته التي جعلته ان يصدق نفسه وكأنه ملك اسرائيل. قرر الناخب ان يجبر الاحزاب والقوى ان تبحث عن القواسم المشتركة فيما بينها وتسعى من اليوم لتشكيل حكومة موسعة تكون قادرة على وضع الحلول وتحمل المسؤوليات واتخاذ القرارات.

لذلك، الخيارات امام نتنياهو الذي ما زال هو حتى الآن صاحب الحظ الأوفر في تشكيل الحكومة اصبحت محصورة وقدرته على التكتيك والمناورة اصبحت محدودة اكثر، وان خيار تشكيل حكومة يمينية هو مهمة شبه مستحيلة من الناحية الحسابية ولكنها في نفس الوقت خطيرة من الناحيتين السياسية والاقتصادية. لذلك نتنياهو سيبذل الكثير من الجهد وسيدفع الكثير من التنازلات، والتي اهمها التنازل عن عنجهيته وكبرياءه لكي يستطيع ان يشكل حكومة برئاسته.

الهدف الرئيسي له والورقة الرابحة التي ستجعله يتنفس الصعداء هي ورقة لبيد، ولكن لكي يحصل عليها عليه ان يدفع الثمن المناسب خاصة على صعيد السياسة الاقتصادية والتي تتناقض بشكل كبير مع سياسة لبيد والجمهور الذي انتخبه.. والأمر الآخر هو اجبار نتنياهو على تغيير موقفه المراوغ وغير الحاسم بكل ما يتعلق بما يتمتع به المتدينون من امتيازات اقتصادية دون دفع الاستحقاقات بشكل متساوي بما في ذلك الخدمة في الجيش.

والسؤال الذي قد يطُرح هو هل هذه النتيجة مفيدة للفلسطينيين او بكلمات اخرى كيف ستنعكس نتيجة هذه الانتخابات على الوضع الفلسطيني؟ الاجابة بشكل مباشر ان نتنياهو خرج منها اكثر ضعفا وهو لن يستطيع ان يكون اكثر تطرفا ومن الآن فصاعدا اذا ما نجح في تشكيل حكومة موسعة شغله الشاغل سيكون في كيفية الحفاظ على التوازنات بداخلها والجمع بين متناقضاتها. من الناحية الحسابية الضرر الذي لحق بالفلسطينيين هو اقل بكثير مما كان متوقعا.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com