بعد تولي جماعة "الإخوان المسلمين" السلطة في مصر رأى كثيرون في تقارب الجماعة من "الغرب" عموماً، ومن الولايات المتحدة، خصوصاً، تحولاً نوعياً، ما ينطوي على فرضية تحتاج تدقيقاً، فحواها: كأن "الإخوان" المعارضة، كانوا، عن جد، معادين للغرب، أي كأنه كان لديهم برنامج سياسي اجتماعي اقتصادي بديل للنظام المصري السابق التابع، يمكن ان يعيد نهضة مصر، ويضعها، مجدداً، على طريق الاستقلال الوطني، الشرط الأساس، لاستعادة دورها القومي في تحملِ أعباء قضايا الأمة، وأولاها القضية الفلسطينية، جوهر الصراع العربي الإسرائيلي. بتبني هذه الفرضية المثقلة برهانات على جماعة "الإخوان"، تم طمس حقيقة أن الجماعة لم تكن يوماً معادية للغرب، من موقع وطني وديمقراطي، وأن كل ما حصل كان مجرد تخلٍ عن خطاب سياسي مزايد يستخدم الدين أداة لبلوغ السلطة، ولا يرى الغرب المستعمِر الناهب إلا بوصفه "صليبياً" و"كافراً"، لصالح تبني خطاب سياسي متهالك يستقوي بهذا الغرب "الصليبي" "الكافر" إياه، ويتخذه حليفاً للتفرد بالسلطة بعد بلوغها. ماذا يعني هذا الكلام؟
ثمة لـ"الإخوان" تجاه الغرب خطاب سياسي واحد بمضمون ثابت، هو، وإن اختلفت أشكاله، يقفز في الحالات جميعاً، عن استحقاقات المجابهة السياسية مع هذا الغرب الاستعماري الناهب، إذ بماذا يختلف، (مثلاً)، تحوُّل سلطة "الإخوان"، بالتنسيق مع إمارة قَطر وتركيا وجهات عربية أخرى، إلى مطية لتدخل الغرب بقيادة الولايات المتحدة في شؤون مصر والانتفاضات العربية المطالبة بالاستقلال الوطني، عن مساهمة الإخوان السابقة، عبر قيادي "إخواني"، عبد الله عزام، وآخر منشق، أيمن الظواهري، في تأسيس تنظيم القاعدة، ظهير حركة "طالبان"، صنيعة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وحلفائها الإقليميين، في مواجهة التدخل السوفييتي في أفغانستان منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وحتى انقلاب السحر على الساحر في "غزوة" مانهاتن ونيويورك غير الميمونة في 11 أيلول 2001؟؟
ولما كان من غير المنطقي تصوُّر بناء موقف قومي منسجم ضد إسرائيل، من دون موقف سياسي ثابت ضد راعيها، وحليفها الإستراتيجي، الغربي، فإن من المنطقي أن ينتقل موقف "الإخوان" السلطة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي من خطاب لا سياسي فوق تاريخي يعطف إسرائيل الصهيونية التوسعية العدوانية، وذراع الاستعمار الغربي في الوطن العربي، على "يهود خيبر"، "أحفاد القردة والخنازير"، ويعادي اليهود كيهود، إلى خطاب سياسي براغماتي متهاون، يقفز عن استحقاقات المجابهة الوطنية والقومية المفروضة مع إسرائيل دائمة التوسع والعدوان، ويدعو، بمناسبة ومن دون مناسبة، إلى "السلام" معها، وإلى الحفاظ على، والالتزام بشروط، "معاهدة سلام" النظام المصري السابق معها.
على أية حال، تنطوي تناقضات، والتباسات، وتحولات أشكال خطاب "الإخوان" تجاه إسرائيل وراعيها الغربي، برأسه الأمريكي، على حيرة لا يفك ألغازها سوى رؤية هذا الخطاب، إنما يتمركز، بطوريه، على السلطة، ونهم الاستحواذ عليها، وإقصاء المنافسين الداخليين عنها، فمعاداة "الإخوان"، ("المعارضين")، لليهود كيهود، ومعاداة راعيها، الولايات المتحدة، كـ"صليبي" "كافر"، سقطتا، لأنهما رامتا، أساساً، "شيطنة"، حوامل الاستقلال الوطني والقومي، والناصري منها بالذات، بغرض بلوغ السلطة، ليس إلا. وبالمثل، فإن تحولات موقف "الإخوان"، (الحكام)، ودعواتهم المتواترة إلى "السلام" مع إسرائيل، دولة "أحفاد القردة والخنازير"، إياهم، تروم، أساساً، أيضاً، كسب ود راعيها الأمريكي "الصليبي" "الكافر" إياه، واتخاذه حليفاً للتفرد بالسلطة، وإقصاء المنافس الداخلي الجديد الذي كان حتى الأمس القريب شريك "الإخوان" في الدعوة إلى: "الشعب يريد إسقاط النظام"، ليس بوصفه مستبداً فاسداً، فحسب، لكن بوصفه، تابعاً للأمريكي، وخاضعاً للإسرائيلي، أيضاً.
ربما فات "إخوان" مصر أن لعبة "الغاية تبرر الوسيلة" الانتهازية، تقوي معارضيهم الداخليين، من جهة، وتزيد نهم حليفهم الغربي الذي استدرجهم إليها، من جهة ثانية. إذ ألم تقد لعبة "الإخوان" هذه، (بأسرع مما توقعوا)، إلى تراجع شعبيتهم، وضرب مصداقيتهم، وتوحيد صفوف معارضيهم في جبهة واحدة، وإلى تكشُّف أن تغاضي الغرب عن تفردهم بالسلطة، كان مجرد آلية جديدة تكرس، وتعمق، تبعية مصر الكاملة للولايات المتحدة، وخضوعها التام لشروط أمن إسرائيل؟ الشواهد على ذلك، برغم قصر المدة، كثيرة. وللتدليل، لا الحصر، نشير إلى:
أولاً: الرسالة الطافحة بمشاعر الحب والود التي وجهها الرئيس المصري، مرسي، للرئيس الإسرائيلي، بيرس، الذي أمر، (خلافاً لما أراد مُرْسلها)، بنشرها، وأعرب عن بالغ ترحيبه، وعظيم تفاجئه، بها، وشديد اندهاشه من دفئها. لكن رسالة الرئيس المصري هذه، عدا تصريحاته الكثيرة حول الرغبة في "السلام" مع "إسرائيل"، وفي الحفاظ على الاتفاقات الموقعة معها، والالتزام بها، لم تشفع له، لا عند قادة إسرائيل، ولا عند قادة راعيها، الولايات المتحدة، حيث قاموا بنبش سجله كقائد في جماعة "الإخوان"، واستخرجوا له تصريح مسجل بالصوت والصورة، كان أطلقه في العام 2010، يدعو فيه إلى "إرضاع الأطفال كراهية اليهود"،"أحفاد القردة والخنازير". هنا، ورغم أن قادة "إسرائيل" وأمريكا كانوا، (بلا ريب)، على علم بهذا التصريح يوم صدوره، ورغم علمهم أن تصريح مرسي هذا هو مجرد واحد من تصريحات مشابهة كثيرة لقادة "الإخوان"، إلا أنهم، كعادتهم في ممارسة الابتزاز والإخضاع، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وقاموا بشن حملة إعلامية منظمة، تتهم الرئيس المصري بـ"اللا سامية"، وطالبوه، على لسان وزارة الخارجية الأمريكية، تقديم اعتذار رسمي معلن عن تلك التصريحات، ما اضطر الناطق باسمه للقول: " لقد تم اجتزاء هذا التصريح وإخراجه من السياق الذي قيل فيه"، لكن لعلها السذاجة بعينها الاعتقاد بأن هذا التوضيح، شبه الاعتذار، سيضع حداً للابتزاز الإسرائيلي، بدعم أمريكي، ضد الرئيس المصري.
ثانياً: في معرض دفاعه عن الدستور "ألإخواني" المفروض، وبدافع عداءه "ألإخواني" الأيديولوجي المتأصل للتجربة الناصرية، لم يتورع نائب رئيس حزب "الحرية والعدالة"، المستشار السياسي لرئيس جمهورية مصر، وعضو "مجلس الشورى"، عصام العريان، عن اتهام عبد الناصر بطرد اليهود المصريين، داعياً إياهم إلى العودة إلى وطنهم مصر، بعد أن صار بوسعهم، (برأيه)، التمتع بنعيم ديمقراطية مادة الدستور المتعلقة بحق أتباع الأديان السماوية ممارسة شعائرهم، وتنظيم حياتهم، وفقاً لمعتقداتهم، ناسيا أن هذه المادة لا تضرب المفهوم الديمقراطي الحديث للمواطنة، فقط، بل وتحيل، أيضاً، وإن بمواربة، إلى نظام الملة العثماني الفضيحة، وأن اتهام عبد الناصر، (خلافاً لحقائق التاريخ)، بطرد اليهود المصريين، هو، وإن قصد التقرب من الولايات المتحدة وإسرائيل، لضمان دعم تفرد جماعته بالسلطة، إلا أنه يشرعن، بسذاجة، المطلب الصهيوني بتعويض اليهود العرب الذين تم جلبهم بالقوة والمؤامرات إلى فلسطين، وتحويلهم إلى مستوطنين لأرضها، وقتلة لشعبها. وهذا ما حصده حضرة السيد العريان بالفعل، حيث قدَّرت منظمة يهودية صهيونية أمريكية خسائر اليهود الإسرائيليين من أصل مصري، ("المطرودين"، وفقاً للعريان، على يد عبد الناصر)، بما يزيد عن 35 مليار دولار أمريكي.