أوافق تماماً على المنحى المريح للكتابة، الذي يتحاشى المرارات. وأرى الحق كل الحق، مع أعزائنا الكتّاب، الذين لا يخوضون عميقاً في الهموم شديدة التعقيد والألم، أو الذين يحاذرون إن اقتربوا من حدودها. فلا الكاتب يتمتع فيما هو يسطر نصوصاً يمتزج فيها الدم مع الحبر، ولا تبدو مهمته يسيرة، إن اختار طريقاً لمقاومة الموت الذي يرسم مداه لهذه الأمة، في هذه البرهة من التاريخ، على النحو الذي يليق بكل ما يسكنها من أحزان وجروح..!
اللبنانيون البارعون في تخليق فنون الحياة وتفرعاتها؛ ابتدعوا في صحافتهم طرائق للإعراب عن تشبثهم بالحق في متعة الكتابة وفي متعة القراءة، كما الحق في متعة العيش وبحبوحته. يأخذونك الى أن ترى ما يراه النائم، والى ما قصرت عن وصفه الكتب، ويعلمونك كيف في مقدور الناس أن تصنع لنفسها تاجاً من الكلمات، ووطنا خالداً من الكلمات، وكيف في مقدور الناس أن تصنع لنفسها بهجة من الكلمات، وأن تقول لنفسها أي شىء لكي تصنع حُلماً من الكلمات..!
في ذاك السياق، كان اللبنانيون وهم رواد الصحافة العربية المعاصرة، يؤسسون لحضور دائم لومضات الفرح، حتى وإن كان الدمُ يصبغ بعض الأرض ومعظم الصفحات وجُلَ الأنباء، فيما الناس تعيش على ضفاف الأحزان. فلا بأس من أن تتساكن، سطور الكشف عن الأهوال والمظالم، مع سطور تنم عن القدرة على الاحتمال، أو تنأى بالنفس عن تعب الروح، أو تنحو الى ترف الكتابة وترف القراءة، والى خفة الحكاية ولقطة النميمة..!
* * *
لا أدري من أين سكن روحي، كل هذا التفجع على الشعب العربي السوري، متجاوراً ومتلازماً مع مسار الواقع الفلسطيني، المشحون بتوترات من كل صنف. هذان مساران أقتضيا أن يكون حبرنا شبيهاً بحياتنا وموتنا. يأخذني الخَبَرُ تلو الخبر، الى النص تلو الآخر، فيما يتبدى للبعض، كلام شؤم أو تنغيصاً على نفوسهم. ربما يرى البعض فيما نكتب، وقياساً على نصوص أو لقطات متواضعة، تسعى الى تخليق الفرح والمجد وتاج السعادة والاقتدار؛ أنها نُذرُ نكبات. غير أن حقيقة أمرنا وأوقاتنا، تطغى بنبئها وتقول إن الدم يصبغ حياتنا، ويسِمُ روحنا. هناك شعب، هو منا ونحن منه، يُساق الى الذبح، لكنه في هذه المرحلة، وبعد طول صبر، قرر أن يفتح فمه ويمزق قيوده، لكي يقف ويتلقى الطعنات دون أن يسقط. الشعب في سوريا وفي فلسطين، هو شعبنا، الذي لا ينضب الدم في روحه، ولا ييأس، حتى إن استمر الطغاة في محاولاتهم إجباره على ارتشاف كأس اليأس..!
على الرغم من ذلك، أوافق تماماً على المنحى المريح للكتابة. والحق كل الحق، مع أعزائنا الكتّاب، الذين يتحاشون الخوض في الهموم شديدة المرارة، أو يحاذرون إن اقتربوا من حدودها. ولكي لا يؤثم واحدنا على تشاؤمه وعلى إنكاره للقطات الفرح في عالمنا الممتد من الخيبة الى الخيبة؛ يتوجب عليه أن يجهد ويثابر ويكابر، لكي يصبح في مقدوره عرض إسهامات متواضعة، تلامس النميمة، وأن يحرص على أن تكون اللطائف ذات حيثيات معرفية تتصل بتاريخ الآداب والفنون، ربما تتناول سقطات وهفوات ومفارقات الأدباء والشعراء، ومخازي نفاقهم وتربحهم، ومعهم أدعياء الأدب والقص والمتشاعرون. ولدينا من الطرائق القديمة الجديدة، ما يُقتدى به ويساعد على استيلاد الحكايات من بطون الوقائع، حتى وإن اضطرنا الأمر، الى أتباع أساليب مطروقة، كالاقتداء بتوفيق الحكيم في روايته عن جحشه الذي مات قبل أن يصبح حماراً يُركَبْ، وإن كان مر على نشر الرواية، ما يزيد عن سبعين عاماً.
في "حمار الحكيم" يضطر الراوي الى تسريب الحمار الى غرفته في الفندق، ثم يتطلب الأمر خروجه لكي يجلب للجحش حليباً وقارورة رضاعة. عاد ولم يجد الحمار في غرفته، واكتشف أن باب الغرفة كان مفتوحاً. فتش عن حماره الصغير فوجده واقفاً أمام المرآة، يتأمل نفسه، في غرفة امرأة شقراء تقف بجواره ضاحكة. قال الراوي: يا له من أحمق. شأنه شأن كل الفلاسفة، يبحثون عن أنفسهم في كل مرآة، ولا يعيرون الجميلات التفاتاً..!
بعدها أصر الحكيم، على إطلاق صفة الفيلسوف على حماره وعلى كل حمار. وظل طويلاً يسجل على أوراق العمر حكايات العمر، كأنما هي "نكشات" رأس حُميري، تصلح للنشر كتنهيقات ضُحى. إنها لا تصلح للصباح، كونها لا تزقزق..!