2013-01-22

لماذا اقاطع؟!


بقلم: د. حيدر عيد

هل هناك أي إمكانية للوصول الى سلام عادل يضمن تطبيق حق العودة لكل من أراد من اللاجئين الفلسطينيين تبعاً لقرار الأمم المتحدة 194؟ وهل من الممكن، عملياً، تطبيق المساواة الكاملة لكل سكان دولة اسرائيل، وبالتالي القضاء على القوانين والممارسات العنصرية الممأسسة في هذه الدولة؟ وبأقل درجة، كيف يمكننا إجبار إسرائيل على الإنسحاب الكامل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967؟

يكمن الخطر في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة من خلال تجزئتها، أو الفصل بينها، واعتبار أنها قضايا نضالية تخص الفئة السكانية التي تضررت مباشرة من الإضطهاد الصهيوني. وبناءً على هذا المنطق فإن هموم فلسطينيي 48، وبالتالي برامجهم النضالية تختلف عن تلك التي يناضل من أجلها إخوتهم/ن في المناطق التي أُحتلت عام 67. أضف الى ذلك أن الشريحة الأكبر من الفلسطينيين/ات تعيش في الشتات نتيجة عملية التطهير العرقي التي مورست ضدهم/ن عام 48، وعليه فإن أهدافهم/ن النضالية، تبعاً لهذا المنطق (البراغماتي) التجزيئي، تختلف من ناحية الشكل والمضمون عن أهداف إخوتهم/ن وأخواتهم/ن سكان مناطق 48 و67!

من الواضح أن هذا المنطق يعطي أولويات لفئة سكانية فلسطينية على حساب الأخرى. وهنا مكمن الخطر، حيث أنه تتم إعادة تعريف الشعب الفلسطيني العربي تبعاً للمنطقة الجغرافية التي يسكنها. وقد أصبح التعريف السائد منذ عام 1993 أن الشعب الفلسطيني يتكون من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن النضال الفلسطيني يهدف، في المحصلة النهائية، للحصول على (إستقلال) هاتين البقعتين الصغيرتين بعد إنسحاب قوات الإحتلال الإسرائيلي لما بعد، أو داخل،حدود67. والأكثر خطورة أن لقب شعب يتم استخدامه الآن لتعريف سكان غزة التي يعتبرها البعض (مناطق محررة!!) وإيغالاً في التقسيم، غير المحصور في فصل الضفة الغربية عن غزة، فإن التصنيفات الإسرائيلية العنصرية تميِّز بين ما تسميهم، عنصرياُ، (عرب اسرائيل)، وسكان القدس من حاملي الهويات الإسرائيلية، وسكان الضفة الغربية (بدون المستوطنين)، وسكان قطاع غزة، واللاجئين الذين يجب توطينهم في أماكن سكناهم..! ولخلق حقائق على الأرض، فإن إسرائيل قامت بالفصل الكامل بين هذه الفئات السكانية ومنعت أي تواصل بينها بشكل يفوق بمراحل ما فعلته قوات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في القرن الماضي.
 
وبما أن المجتمع الدولي، بشقيه الرسمي والمدني، لم يقبل بنظام الأبارتهيد العنصري وتقسيماته الإثنية-العنصرية، حيث قام ذلك النظام (بمنح) السكان الأصليين الأفارقة حق إقامة  4 (أوطان مستقلة) على 12% من أرض جنوب أفريقيا، مع سيطرة كاملة للنظام الأبيض على كل موارد الدخل ومظاهر السيادة المتعارف عليها من سيطرة على الأجواء والأراضي، والأمن الخارجي، وضمان أن أغنى المناطق بالمناجم وغيرها تقع في القسم المُسيطَر عليه من قِبل الحكومة البيضاء. لم يكن هناك أي إشكالية في منح (الأوطان المستقلة) مظاهر سيادية شكلية: علم، مطار، بساط أحمر، رئاسة، أجهزة شُرطية (أو أمنية) سوداء، وزارات...الخ.

ولكن هذه الحيلة العنصرية لم تنطل على المجتمع الدولي الذي رفض الإعتراف بهذه المعازل العرقية بشكل مطلق، مع استثناء دولة إسرائيل التي كانت تربطها علاقات على مستوى عال من التنسيق مع النظام العنصري. وقامت بالسماح لأحد البانتوستنات بفتح مكتب تجاري في أكبر شوارع تل أبيب..! وعلى الرغم من العلاقات التي كانت تربط العديد من الدول الغربية ذات الماضي الإستعماري، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، مع النظام العنصري، إلا أنها لم تعترف مطلقاً بهذه الدويلات المسخ، وإن كانت قد حافظت على علاقاتها مع الدولة العنصرية..! بل إعتبرتها إمتداداً لها في مواجهة (المد السوفيتي الشيوعي) حيث قامت الأخيرة بالحرب بالإنابة عن الغرب في أكثر من دولة أفريقية تسعى للتحرر مثل أنغولا وموزمبيق.

ومع هذه الخلفية المهمة يبرز السؤال التالي: كيف استطاعت القوى المناهضة للنظام العنصري إقناع المجتمع الدولي بمقاطعة حكومة الأبارتهيد وعدم الإستثمار في مشاريعها وفرض عقوبات عليها؟ أحد أبرز الأجوبة التي نسمعها من مناضلي/ات تلك الحقبة المهمة في التاريخ الإنساني بشكلٍ عام، والجنوب أفريقي بشكلٍ خاص، هي أن سكان الأرض الأصليين ركزوا، من خلال برامجهم النضالية، على أنهم يمتلكون (الأرضية الأخلاقية العليا). وهذا ما لخصه المناضل نيلسون مانديللا، وأول رئيس أسود لجمهورية ج. أفريقيا بعد التخاص من نظام الأبارتهيد 1994، في دفاعه عن نفسه ورفاقه في محاكمة ريفونيا الشهيرة عام 1964:  (إن نضالنا هو نضال أفريقي مُستلهمٌ من المعاناة والتجربة الأفريقية. ولكنه نضال من أجل  الحق في الحياة. ولقد وهبت نفسي لنضال وحقوق الشعب الأفريقي. لقد ناضلت ضد الهيمنة البيضاء، وناضلت ضد اي هيمنة سوداء أيضاً. لقد أمنت بنموذج الديمقراطية في مجتمعٍ حر حيث يعيش الجميع بشكلٍ متساوٍ وفرصٍ متكافئة.) المساواة، النقيض الوجودي للعنصرية، كانت الخط الأحمر..!

إذاً كان الهدف واضحاً والرؤية أوضح: المساواة الكاملة بغض النظر عن العنصر أو الخلفية الإثنية. وتمت التعبئة الجماهيرية على هذا الأساس من خلال جبهة وطنية عريضة شملت الغالبية الساحقة من التنظيمات المناهضة للتفرقة العنصرية ومؤسسات المجتمع المدني. وتم التركيز على أربع "أعمدة للنضال" حددها الجنوب أفارقة أنفسهم، ولم تُملَ عليهم من الخارج: 1) الكفاح المسلح 2)النضال السري (تحت أرضي) 3) التعبئة الجماهيرية الكاسحة 4) حملة مقاطعة وعدم استثمار وفرض عقوبات أممية على النظام العنصري.

ما يهمنا في هذا السياق هو المبدأ النضالي الرابع، وعلاقته المباشرة بالثالث، حيث أنه من المعروف تاريخياً أنهما كانا العمودين الرئيسين الذين أرضخا نظام الأبارتهيد في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم، وأديا في المحصلة النهائية الى زواله من مسرح التاريخ الإنساني، حيث يقبع الآن في مزابله، وفي أفضل الحالات، متاحفه..!

حينما توجهت الحركة المناهضة لنظام الأبارتهيد بنداء المقاطعة الأول في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كان تركيزها، عملياً، على المجتمع المدني. ولم تبدأ الحكومات، الغربية منها بالذات، بالاستجابة إلّا في منتصف السبعينيات حيث صدر قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الشهير، عام 1973، باعتبار الأبارتهيد جريمة ضد الإنسانية (مع معارضة الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، جنوب أفريقيا، والبرتغال!). ومع التراكم النضالي، والتركيز على المقاطعة والكفاح الشعبي العارم المتواصل، مصحوبين بدعم هائل من المجتمع المدني الدولي، تم عزل النظام العنصري، على الرغم من محاولات حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة (الحوار) مع الحكومة العنصرية في منتضف الثمانيات بذريعة ( المشاركة البناءة!) ومحاولة إقناعه التخلص من بعض صلاحياته، إلا أن إصرار الجبهة الديمقراطية الموحدة، المناهضة للنظام العنصري، على أن الحد الأدنى من الحلول لا يكون إلا من خلال التخلص من القوانين العنصرية بشكل كامل، وحق الإقتراع لكل سكان جنوب أفريقيا بغض النظر عن العرق، الدين والجندر. وقد رضخت الحكومات الغربية بسبب الضغط الهائل لمؤسسات مجتمعها المدني بعد نجاح الحركة المناهضة للتفرقة العنصرية في جعل قضية ج.أ شأناً داخلياً في كل الدول الغربية، بالذات الولايات المتحدة الأمريكية.

كان هذا الإستطراد ضرورياً لتوضيح الخلفية التاريخية، الحديثة نسبياً، في نجاح تكتيك المقاطعة وعدم الإستثمار وفرض العقوبات (بي دي أس) في مواجهة أحد أعتى الأنظمة في أفريقيا السوداء، نظام كان يُعتبر امتداداً للحضارة الغربية بشكلها الإستعماري الإستيطاني، نظام إمتلك قوة عسكرية غاشمة، وتحالفات استراتيجية مع دول عظمى، نظام  يقوم على أسس أيديولوجية ممزوجة بتبريرات دينية فجة..!

إذا كان المجتمع الدولي لم يستمر في إغماض عينيه عما يقع في جنوب أفريقيا من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وإذا كانت هذه التجربة النضالية قد سجات أسبقية مبنية على خليط من الأخلاقيات والقانون الدولي المتفق عليه من تجريم للأبارتهيد وإدانة للفصل بين الناس على أساس عرقي، أو ديني، فإنه بالأحرى فيمن يعاني أشكال متعددة من الإضطهاد، بما فيها الفصل العنصري، أن يعتمد هذا التكتيك الذي لا ينتظر بالضرورة حكومات المجتمع الدولي أن تصحو من غفوتها و تبدي دعمها للشعب الفلسطيني..! ما ميز حركة البي دي أس (المقاطعة) كان،  لحوارها مع المجتمع المدني بكل تشكيلاته، أنها خاطبت الضمير الفردي لكل مواطن من أستراليا الى الهند الى مصر الى أوروبا والولايات المتحدة. كل فرد أصبح يشعر أن لديه/ا مسؤولية أخلاقية إنسانية، وأنه/ا بممارسته/ا  حق الإختيار في تجنب شراء البضاعة المصنوعة في ج.أ أو مقاطعة مغني أبيض من نفس الدولة، أو عدم السماح لفريقه الرياضي باللعب ضد فريق أبيض عنصري، أو السماح بتعاون جامعته مع جامعة بيضاء، فإنه يساهم في القضاء على نظامٍ مضطهِدٍ معادٍ للأنسانية.

وهنا تكمن قوة نداء المقاطعة الفلسطيني الصادر عام 2005 عن أكثر من 170 مؤسسة مجتمع مدني، والذي يتمحور حوله الآن إجماع فلسطيني غير مسبوق. وبقراءةٍ متأنيةٍ لهذا النداء الشهير، يستطيع المرء منا أن يرى الدروس الكبيرة التي تعلمها الفلسطيني من أخيه الج.أ، وبالأخص مواجهة المجتمع الدولي بواجباتهِ والشرعية التي يدعي أنه يقوم على أساسها، وتتلخص في إنهاء الإحتلال الإستيطاني، تطبيق قرار الأمم المتحدة 194 الذي ينص على عودة اللاجئ/ه الفلسطيني/ه الى قريته/ا و مدينته/ا التي طُّهر/ت منها عرقياً عام 48، وإنهاء السياسات العنصرية الممأسسة ضد فلسطيني/ات 48! وهكذا فإن تشكيل اللجنة الوطنية للمقاطعة قد أعاد النضال الفلسطيني ضد احتلال عسكري مباشر، وتطهير عرقي ممنهج، وتفرقة عنصرية بغيضة الى أبجدياته التي كانت قد أصابها الكثير من الضرر نتيجة مغامرات سياسية غيرمدروسة ليس هنا مجال الحديث عنها. وبالتالي تمت العودة الى التعريفات الرئيسية التي لا تميز فئة فلسطينية على حساب الأخرى. وبشكل واضح فإن أنسحاب قوات الإحتلال من المناطق التي احتلتها عام 67 لا يعني بالضرورة أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني قد تم تطبيقه حيث أن سكان الضفة والقطاع لا يشكلون الا ما يقارب ثلث الشعب الفلسطيني وهم، بالتالي، مكون رئيسي من الشعب الذي لا يكتمل تعريفه إلا بإحقاق الحقوق الشرعية للثلثين الباقيين: اللاجئون/ات وفلسطينيو/ات 48. وهنا بالضبط تكمن أهمية اللجنة الوطنية للمقاطعة من حيث كونها جزءاً رئيسياً من الأدوات النضالية الفلسطينية التي تتعامل مع حق تقرير المصير بشكل غير مجزَّأ، وكما نصت عليه الشرعية الدولية. وبناءاً عليه، فإن المقاطعة في حالة إشتباك مستمر مع إسرائيل حتى تطبيق الثلاثة مطالب بشكل كامل: لا مفاوضات بين (الطرفين) ولا هدنة طويلة الأمد..!

أنا أدعو لمقاطعة إسرائيل، إذاً، لأنني فلسطيني من غزة، لاجئ من قرية زرنوقة قضاء الرملة، أرغب بالعودة لفلسطين وأن أعامل كمواطن لي حقوق وعليّ واجبات كأي مواطن/ة أخر/ى بعد عودتي. وحقي هذا لا يمكن تجزئته، حسب فهمي لحق تقرير المصير، وحسب نداء المقاطعة الفلسطيني. وبالتالي فإن لدي حق على المجتمع المدني الدولي أن يتضامن معي من حيث كوني صاحب الأرض الأصلي، مُضطهَدٌ من قبل إحتلال استيطاني عنصري بشكل يخالف ليس فقط الأخلاقيات والمثل الإنسانية العليا، بل الحد الأدنى من الشرعية الدولية كما عٌرِّفِت بعد الحرب العالمية الثانية. وبسبب الفجوة الهائلة في موازين القوى بين المضطهِد والمضطهَد، والخلل الكبير في الدعم الذي تقدمه القوى الكبرى (للطرفين)، فإن لدي حق على المجتمع الدولي المدني بأنديته، أحزابه، مساجده، كنائسه، نقاباته، جامعاته، فنانيه، مثقفيه، طلابه...الخ أن يتخذ القرار الأخلاقي الذي يقدر عليه الا وهو ما فعله ضد نظام التفرقة العنصرية: المقاطعة وعدم الإستثمار وفرض عقوبات على إسرائيل حتى تنصاع لقرارات الشرعية الدولية كاملةً..! 

 لأنني أؤمن بحقي الكامل في الحرية والعودة والمساواة، فإنني أقاطع..!

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com