2013-01-20

ترك المستقبل للمستقبل..!!


بقلم: زياد أبو زياد

الذي يسمع أو يقرأ التصريحات الصادرة عن العديد من قادة "فتح" و"حماس" لا يكاد يُصدق ما يسمعه، فالجميع يتحدث عن التقدم والنتائج الايجابية والخطوات العملية نحو وأد الانقسام وتحقيق المصالحة وربط معظم إن لم يكن جميع هذه الخطوات بتاريخ معين وهو الثلاثين من الشهر الحالي أي بعد عشرة أيام.

ولما كنا قد أصبنا بخيبات أمل كثيرة في الماضي فإن المرء ليشعر بالقلق والخوف كلما اقترب ذلك التاريخ خشية أن لا تتكرر الأسطوانة ونشهد محاولات جديدة للتأجيل أو المماطلة في التنفيذ. إن من يعرف الحقائق على الأرض ليدرك جيدا أن المصالحة الحقيقية، إن تمت، فستكون معجزة القرن..!

لم نعد نسمع حديثا عن البرنامج الوطني الذي ستلتقي عنده المصالحة، ولا يعرف أحد ما إذا كان أي من الطرفين المتصارعين قد تخلى عن برنامجه لصالح برنامج الطرف الآخر. وبعبارة أوضح: هل تعني التصريحات المتفائلة جدا عن المصالحة أن فتح اقتنعت بعبثية المفاوضات وأن الطريق الوحيد الذي عليها أن تسلكه هو طريق المقاومة حتى النصر والتحرير، أم أن "حماس" والمقاومة الوطنية والاسلامية في غزة قد اقتنعت بعبثية الصواريخ وعبثية المقاومة وأن الطريق الصحيح هو طريق العمل السياسي من خلال الشرعية الدولية، معلقين على هذه الشرعية كل آمالنا وأحلامنا؟

أبحث ببراءة عما جدّ في الأمر مما جعل التفاؤل عنوانا للجميع.

وإذ أبحث عن الجديد فإنني أدرك المتغيرات الأقليمية والعربية التي تدور من حولنا. فسوريا تخلت منذ زمن طويل عن عنوان جبهة الصمود والتصدي التي تهاوى أعضاء ناديها الواحد تلو الآخر، وفقدت "حماس" قواعدها هناك و لم تعد دمشق في واجهة الممانعة وتركت الساحة لأصغر دولة عربية وأكبر حاضنة لأكبر قوة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط لتجلس في غرفة قيادة قاطرة العالم العربي. أما مصر فقد خلعت عن نفسها عباءة مبارك وألقت بنفسها في حضن الأخوان الذين نزعوا من حركة "حماس" ذريعة الادعاء بانحياز الوسيط المصري وأصبحوا يقفون على مسافة واحدة منها ومن "فتح"، وبالتالي الأكثر قدرة على التأثير في السلوك الحمساوي بحكم العلاقة الأخوانية بين الطرفين.

لم تعد حركة "حماس" قادرة على المضي في برنامج المقاومة المسلحة لا سيما بعد النصر الوهمي الذي حققته والذي أسفر عن تعهدات وضمانات جعلت حدود القطاع مع اسرائيل هادئة أشبه بالحدود اللبنانية بعد انتصار حزب الله المزعوم، أو أشبه بالحدود السورية منذ فك الاشتباك بعد حرب تشرين 1973.

أما "فتح"، فلم يعد أمامها ما تفعله بعد قرار الاعتراف الدولي سوى الانتظار لما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي، ونحن ندرك جميعا عقم هذه المجتمع وعجزه.

لا أحد يستطيع أن يتجاهل عمق وحجم الأزمة التي نواجهها، ومواجهة هذه الأزمة تقتضي أن نتحدث بصراحة عن البرنامج. ما هو البرنامج الذي ستلتقي عنده "فتح" و"حماس" في المرحلة القادمة؟ هل المطلوب الآن هو الانشغال بالقضايا البنيوية للحكم أو السلطة؟ وأية بنية نتحدث عنها إذا لم نكن متفقين على الدور والوسيلة التي ستتبعها هذه البنية في أدائها بعد استكمال بنائها.

صحيح أن المدخل لكل شيء هو تجسيد إرادة الشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة، فهل يمكن إجراء مثل هذه الانتخابات اليوم كما كان الحال في عام 2006؟ لماذا لا نفكر منذ الآن بكيفية التعامل مع القدس إذا تعذر إجراء الانتخابات فيها لكي لا يكون ذلك ذريعة للتنصل من استحقاق الانتخابات، وكذلك الحال بالنسبة للمجلس الوطني وتعذر إجراء انتخاباته في بعض الدول العربية كالأردن مثلا؟

وإذا كانت كل من "فتح" و"حماس" قد وصلت في برنامجها إلى طريق مسدود فلماذا لا تعيد النظر في كل اسلوب العمل السابق ولماذا لا تحدد برنامجا جديدا للعمل الوطني الفلسطيني؟!

لم أعد أرى أية فرصة لاقامة الدولة إلى جانب إسرائيل لأن كل ما تفعله إسرائيل هو لاجهاض مثل هذا الحل مع العلم بأن حل الدولتين هو مصلحة إسرائيلية بحتة لأن هذا الحل يضفي صفة الشرعية على ما احتلته إسرائيل سابقا ولاحقا. وفي ضوء التعنت الاسرائيلي وانتفاء فرصة إقامة الدولة إلى جانب إسرائيل، فإن علينا بدلا من اللهاث وراء سراب المجتمع الدولي أو الدخول في متاهات صياغات وصيغ لا نبتغي منها سوى تمرير الوقت، أن نفكر في آلية جديدة تضمن صمود المواطن على أرضه في هذه المرحلة وترك المستقبل للمستقبل.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net