2013-01-20

مليونية غزة.. والمصالحة الوطنية؟!


بقلم: سليمان الوعري

لم يكن يوم الجمعة 4/1/2013 يوماً عادياً في حياة الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة، حيث احتشد مئات الآلاف من المواطنين في ساحة الشهيد ياسر عرفات "السرايا سابقاً" للاحتفال في الذكرى 48 لانطلاقة الثورة الفلسطينية، ولا زال هذا المشهد حديث الخاصة والعامة في الوطن والخارج لما حمله المهرجان من دلالات ورسائل أهمها أن حركة "فتح" لم تنتهي من قطاع غزة كما ظن البعض، وقطاع غزة ليس "حماس" فقط  كما اعتقد الاخوان المسلمين ومؤيديهم، وأن هذه الجماهير خرجت داعمة للمشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومشاريعه التهويدية، ومطالبة بانهاء الانقسام واتمام المصالحة.

هذا المهرجان الحاشد في قطاع غزة سيكون له أثر بالغ على تحقيق المصالحة الوطنية، حيث أنه خلق حالة من التوازن في المشهد السياسي الداخلي، خاصة لحركة "حماس"، وسيدفعها للذهاب الى المصالحة بجديّة أكبر لأن الجماهير عبرت بصورة لا تقبل التأويل عن رفضها اقصاء حركة "فتح" التي تعد لاعب رئيسي في الحركة الوطنية الفلسطينية، وأن هذه الجماهير شيباً وشباناً، نساءً وأطفالاً خرجت يوم المهرجان تطالب باحداث تغيير بعد خمس سنوات من المعاناة والانقسام، وأن القاسم المشترك الذي التقت عليه هذه الآلاف في ساحة السرايا هو حب فلسطين والمطالبة بوحدة الدم والمصير المشترك ورفض تصفية القضية الفلسطينية، وان الشعب الفلسطيني هو شعب حيّ يقف خلف قياداتة في الآزمات، وصمود قطاع غزة في الحرب الاخيرة والانتصار الذي تحقق، والنصر السياسي في الآمم المتحدة خلق بيئة سياسية مناسبة نحو تحقيق المصالحة وانهاء الانقسام، فالوحدة الوطنية باتت طريق اجباري وقضية جماهيرية لا يمكن لآي فصيل تجاوزها، وأن المشاركة السياسية هي الآساس لأن المهرجان أظهر أن غزة ليست لـ"حماس" وحدها كما ان الضفة ليست لـ"فتح" وحدها، لذلك يجب بدء التنفيذ الفوري لبنود اتفاق المصالحة وبخطى حثيثة وفقاً لجدول زمني محدد ومتفق عليه وصولاً لانجاز الانتخابات التشريعية والرئاسية وللمجلس الوطني الفلسطيني.

اجتماعات القاهرة الآخيرة بحضور الرئيس محمود عباس وخالد مشعل برعاية الرئيس المصري محمد مرسي تعبر عن اهتمام الجميع بالمصالحة الفلسطينية، لكن الشيطان في التفاصيل كما يقولون، لذلك فان توفر النيّة الصادقة والارادة لدى جميع الاطراف لتجاوز اي عقبات مهما كانت أمر في غاية الاهمية، وذلك للوقوف في وجه الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتنياهو التي أثبتت ان كل ما يعنيها هو تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان من جهة، وتكريس الانقسام الفلسطيني ومنع انجاز المصالحة من جهة اخرى للاستمرار باستخدامه كذريعة أمام المجتمع الدولي للادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني واحد، وأن الشعب الفلسطيني منقسم على ذاته، وأن هذه المحاولات الاسرائيلية الخبيثة لن تثني الفصائل الفلسطينية على اختلافها عن المضيّ قدماً في استعادة وتعزيز الوحدة الوطنية، لآنه لا يحق لنتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة التدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني والأجدر بهم الاهتمام بشؤونهم الداخلية والمسارعه الى انهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتهويد القدس وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بانهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية.

ولا بد من التنويه من أنه وبعد المباشرة في ملف المصالحة ستواجهنا ملفات هامة وخطيرة يجب معالجتها برويّة وتسويتها بشكل عادل لجميع الاطراف، لأن الانقسام كان له أثر سلبي على النسيج الاجتماعي الفلسطيني وعلى طريقة تفكير الافراد والاحزاب، وأفرز ثقافة أنانية تعتمد اقصاء الآخر تحتاج لجهود مخلصة لاعادة ترميمها وتعميم ثقافة الحرية والديمقراطية والشراكة السياسية، فالمصالحة ليست فقط توقيع على الورق، ويجب أن تشمل اعادة صياغة العقلية الفلسطينية لتنسجم مع قيم التعاون والمشاركة بعيداً عن فكرة (الآنا) وبعيداً عن التنازع والتناحر، وضرورة تعميم قيم المحبة والتسامح بين أفراد المجتمع والتركيز على اولاد المدارس في هذه المرحله وزراعة هذه الثقافة في عقولهم ونفوسهم.

اذن النضج الفكري وتقبل الرأي الاخر هو الخطوة الاولى في طريق المصالحة لان الثقافة الغالبة لدينا ليست وطنية بقدر ما هي حزبية، ولا بد من ثورة ثقافية خاصة لابناء حركتي "فتح" و"حماس" حتى يصبح بمقدور الواحد منهم تقبل الآخر دون الشعور بالعدائية، ثم الذهاب لمعالجة ملف الشهداء والجرحى وتعويض ذويهم واجراء محاكمات عادلة لتأخذ العدالة مجراها دون الاجحاف بحقوق احد، كذلك استحقاق عودة من غادروا القطاع عقب الانقسام دون المساس بهم ويتبع ذلك فتح باب المصالحات العائلية.

كذلك يجب انهاء كافة مظاهر الانقسام الداخلي واطلاق سراح السجناء السياسيين لدى الطرفين، والعمل على توحيد الاجهزة الامنية في الضفة الغربية وقطاع غزة على اسس مهنية بعيداً عن الحزبية والفصائلية، وعودة الموظفين الحكوميين الى عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية، والتوافق على آلية استيعاب الموظفين الذين وظفتهم حركة "حماس" في قطاع غزة، وان تكون المهنية وخدمة المواطن هي الاساس في توزيع الموظفين واستيعابهم وليس الاجندة الفصائلية، كذلك يجب معالجة ملفات الموظفين الذين فصلوا من عملهم او اوقفت رواتبهم واعطاء موظفي غزة كامل حقوقهم الوظيفية التي توقفت عقب الانقسام في العام 2007.

وعلى حركة "حماس" العمل على اغلاق الانفاق ووقف عمليات التهريب، وتسليم فواتير المقاصة للسلطة الوطنية برام الله لاسترداد مئات ملايين الشواكل من الضرائب والجمارك التي هدرت نتيجة الانقسام وفتح معبر رفح كما كان سابقاً.

بالتأكيد هذه الخطوات وغيرها تتم بعد البدء بالتنفيذ للجانب السياسي من المصالحة حال شروع لجنة الانتخابات المركزية بتحديث السجل الانتخابي في قطاع غزة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والبدء في تفعيل مؤسسات منظمة التحرير وفق الرؤيا المتفق عليها بين الجميع، والعمل الموحد للانتقال من حالة السلطة الوطنية الفلسطينية الى حالة الدولة الفلسطينية التي حصل عليها الفلسطينيون في 29/11/ 2012، والبناء عليها وصولاً الى الاعتراف الدولي الكامل، وهذا لن يتحقق دون الوحدة الوطنية بمشاركة كافة اطياف الشعب الفلسطيني وفصائل العمل الوطني.

ان الوضع الفلسطيني يقف امام منعطفات خطيرة داخلية وخارجية في ظل التعنت الاسرائيلي واستمرار الانقسام، قد تطيح في مكتسبات منظمة التحرير الفلسطينية وانجازات الشعب الفلسطيني التي حققها على مدار عقود من النضال والتضحيات وفي مقدمتهم الشهداء والجرحى والاسرى، فانجاز المصالحة الوطنية بات أمراً ملحاً للجميع، وسيحاسب التاريخ كل من قصر في اتمام هذا الملف في ظل هذه الاجواء التي لم تتوفر من قبل، ولأهمية المرحلة السياسية في تحقيق الوحدة ورص الصفوف للوقوف في وجه الغطرسة الاسرائيلية ومواجهة الاستيطان ومصادرة الاراضي وتهويد القدس حتى تحقيق الاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

* كاتب مقدسي. - suleiman.wari@yahoo.com