2013-01-18

نقد أوباما لنتنياهو: الغرف المغلقة والمقتضى السياسي


بقلم: عدلي صادق

عندما يقرأ المرء نتائج استطلاعات الرأي، عشية الانتخابات الإسرائيلية العامة؛ يلاحظ أن الجمهور الإسرائيلي سيتخلي عن نهج نتنياهو الاستيطاني، إن كانت ستقع على رأسه أكلاف السياسة الاستيطانية. فالنتائج المتقاربة في كل الاستطلاعات، تقول إن63.7  %  من الإسرائيليين عموماً، يفضلون مواجهة العجز المالي في الموازنة العامة بتقليص ميزانية الاستيطان.  إن هذا العجز، يبلغ الآن 39 مليار شيكل وهو مرشح للتفاقم والزيادة. وفي قراءة تفصيلية، هناك نحو 76 % من جمهور "الليكود" نفسه، يفضلون خفض موازنات الاستيطان لمواجهة العجز، وعدم المساس بموازنات الرفاه الاجتماعي والتعليم والصحة. معنى ذلك، أن كلفة سياسة التوسع الاستيطاني التي اعتمدتها حكومة نتنياهو، عندما تقع على كاهل المواطن الإسرائيلي، ولا تغطيها المساعدات الأمريكية، ستضطر هذه الحكومة الى اعتماد سياسة أخرى، لأن حكومة اليمين ستفقد، أول ما تفقد، جمهورها نفسه. فنتنياهو ليس صاحب مآثر، ولا فيلسوفاً، لكي يتحمل منه الجمهور الإسرائيلي، سياسة اقتصادية ضاغطة وتخفيضات إنفاق، تمس حياته، لكي يُغدق على مجموعات المستوطنين، لكي يكرس نفسه "بطلاً" في تاريخ الأساطير اليهودية، وعدواً في الوقت نفسه، للـ "أغيار" من كل لون وجنس ودين.

في هذا السياق، كشف المحلل السياسي الأمريكي جيفري غولدبيرغ، المقرب من البيت الأبيض، أن انتقادات أوباما لنتنياهو بلغت من الحدة، أن اتهم الأول الثاني بالجبن والغباء وتحاشي مواجهة التحديات، وأنه أسير المستوطنين. وواضح من خلال عبارات أوباما، أنها تكاد تكون نسخة طبقة الأصل، من تعليقات زعماء عرب، تربطهم علاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية. فنتنياهو "لا يعرف ما هو جيّد لإسرائيل، ويقود سياسة تدمير ذاتي، تجعل هذه الدولة منبوذة، وفي وضع كهذا لن تتمكن من البقاء"..!
 
 هنا، يصح التساؤل: هل يرتقي موقف الرئيس أوباما حيال نتنياهو، من مستوى الإعراب في الغرف المغلقة، عن الإحباط الشديد، مع الرغبة في النُصح، الى سوية التأثير السياسي، الذي يتأسس على معرفة تفصيلية بالوضع الإسرائيلي، فيأخذ المقتضى السياسي الصحيح والشجاع، فيما هو الآن، طليق، يتحدث عن جُُبن شخص آخر، فيما يشغل موقع المسؤولية في ولايته الثانية؟!

أو: هل تتحول ملاحظات أوباما التي انتقد فيها سياسة نتنياهو الى خطوة تساعد الإسرائيليين على الظفر بحكومة أقل غروراً وعناداً وجنوناً؟!

أربعة أيام تفصلنا عن الانتخابات العامة في إسرائيل، لكن نتنياهو لم يفصح عن توجهاته ولا عن البرنامج الكامل للتشكيل الحزبي الذي يقوده. غير أن الحيثية الاقتصادية في التوقعات والسنياريوهات المتعلقة بالمرحلة المقبلة، تروي الكثير إن كانت الإدارة الأمريكية ترغب في معرفة مداخل الضغط على الحكومة الإسرائيلية المقبلة، في الاتجاه الذي يتماشي مع السياسة الأمريكية، وقوامه التزام الحد الأدنى من مستلزمات العملية السلمية، والعودة الى المفاوضات.

إن الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية في إسرائيل، قادمة لا محالة، وتشير التوقعات الى أن نتنياهو حتى في حال تمكنه من تشكيل الحكومة المقبلة؛ فإن حكومته لن تعمّر لأكثر من سنة واحدة، لأنها ستفشل على كل صعيد، وستورث الجمهور الإسرائيلي مصيبة اقتصادية وعزلة دولية ومخاطر شتى.  وعلى صعيد السياسة الداخلية، سيتعين على أي حزب، سيشكل الحكومة الجديدة أن يختار أحد نهجين، إما الضرب على رأس الجمهور الإسرائيلي، لصالح المستوطنين، فيواجه هياجاً أو "ربيعاً" لإسقاط الحكومة؛ وإما أن تتقلص ميزانيات البناء في المستوطنات ويتوقف تقديم الحوافز للمستوطنين، والذهاب الى مفاوضات وقرارات جادة على طريق التسوية.

التدقيق في نتائج الاستطلاعات، يقودنا الى الجزم بأن "التدليع" الاقتصادي الأمريكي لإسرائيل، كان سبباً مهماً ورئيساً، في استمرار حكومة نتنياهو في النشاط الاستيطاني، وضربها عُرض الحائط، بالمناشدات الدولية لوقف الاستيطان ومباشرة العملية السلمية في مناخ مواتٍ.

ربما الجواب الأسرع، عن هذا التساؤل، هو الذي ورد نيابة عن نتيناهو، على لسان عضوة كنيست من "الليكود" (تسيبي حوتيفيلي) حين زعمت بأن "سياسة نتنياهو حصلت على دعم كامل من الأمريكيين رغماً عن أنف أوباما"..!

وبالطبع، ليس لمزاعم النائبة الليكودية ومكابرتها، أية صدقية. لكن المشكلة، هي في استحالة خروج أوباما الى العلن، لكي يشرح مساوىء سياسة نتنياهو ويبين حجم الخسائر التي تُمنى بها الولايات المتحدة على صعيدي السياسة والهيبة والمصالح الاقتصادية والأمنية وغيرها.

لم يعد وضع المنطقة يحتمل، ولا المناخ الدولي، ولا الولايات المتحدة نفسها. فالطريق الذي تسلكه إسرائيل، يقود الى البراكين، وهو طريق يسلكه فاقدو البصر والبصيرة، الذين يظنون بأن التحدي الذي يواجهونه يبدأ وينتهي في "باب الشمس" أو في غزة قبل وبعد كل عدوان، وهنا مكمن العمى والجنون..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com