علم السياسة، علم لا يعرف العواطف، وإن عرفها فهي ليست شأناً مقرراً فيه، قيل عنها اقتصاد مكثف، وهي كذلك، وقيل أنها أقرب للجبر من الحساب لأنها معادلات وهي كذلك، وقبل عقدين أو يزيد قليلاً، بق غورباتشوف صاحب نظرية الشفافية والبيروستريكا والتي ذهبت بالاتحاد السوفياتي إلى الجحيم البحصة، حينما قال "السياسة هي علم المصالح، وإن العلاقات ما بين الدول تبنى عليها، وليس على أي شيء آخر".
بناء على ما تقدم، ما هي المصالح المشتركة والتي تجعل من أمريكا الحليف الأول، والداعم الأول لدولة الاحتلال الصهيوني؟ ولماذا العلاقات الأمريكية/ الإسرائيلية، أقوى، وأوطد ولها دلالها على علاقات أمريكا ليس فقط مع الدول العربية الثلاثة والعشرون فحسب، بل ربما هي أقوى من علاقاتها مع غالبية دول العالم خاصةً وأن أمريكا تحقن الاقتصاد الإسرائيلي، والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بما يقارب ستة مليارات دولار سنوياً ما بين مساعدات اقتصادية، وأخرى عسكرية علاوةً عن رزمة إعانات، وأخرى ترضيات طارئة (تطوير نظام القبة الحديدية المضاد للصواريخ مثلاً) في سياق التأثير على بعض القرارات، أو السياسات الإسرائيلية والتي ربما لو قامت بها إسرائيل تربك علاقات أمريكا بدول الإقليم، ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر، النية والتهديدات الإسرائيلية الدائمة بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية لجهة اعتبار امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية للتقنيات النووية (حتى لو كانت سليمة) الخطر الداهم والذي يهدد الكيان الصهيوني، وهي تبتز ليس فقط أمريكا، بل العالم من المخاطر المحتملة لحصول إيران على الخبرات النووية والتي تهيئ لها فرص صناعة أسلحة نووية، والمخاطر الوجودية التي ستحيق بإسرائيل ووجودها في ظل مثل هكذا احتمال لأن إيران العدو الأخطر عليها، والنهوض الإيراني المتصاعد على كل المستويات خطر داهم، لا سيما بعدما أصبحت إيران قوة إقليمية كبرى ناهضة ذات شأن في السياسات الإقليمية، ولاعب رئيس فيها، خاصةً وأن دلالات تعاظم هذا الشأن، برزت بقوة بالدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية عبر تزويدها بالصواريخ والتي دكت تل أبيب، والقدس، والعديد من مدن جنوب فلسطين المحتلة وأحدثت تحولاً نسبياً في موازين لعبة القوى، ومعادلات الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، مما أدخلت الأخيرة في لعبة الحسابات الوجودية الخطرة، وقد كشفت بعض المصادر العسكرية المحايدة عن أن المقاومة تملك صواريخاً تصل حتى إلى إيلات.
إذن في ظل هذا الواقع المتحول بالمعادلات ، والمعطيات إن يكن على الصعيد الإقليمي، أو في الحلبة الدولية من جانب ، ومن جانب آخر تفاقم أزمة الغرب الاقتصادية وفي طليعته أمريكا، فهل لعبة المصالح (السياسة) الأمريكية/ الإسرائيلية ستتغير بحكم منطق الأمور؟ ومنطق المحاكمات العقلية؟ أم أن السياسة الأمريكية اتجاه إسرائيل شيئاً آخر وطبعاً ليس الأمر في باب العشق بين الدول، رغم ذلك إسرائيل تعاند، وتَحرد، وتجافي أمريكا في أحيان عديدة، في سياق لعبة شد حبل المصالح لتحقيق الابتزاز السياسي والذي يستجلب ترضيات، وعطاءات لصالحها.
إن العلاقات الأمريكية/ الإسرائيلية تبنى على منطق القراءات الآجلة، وليس منطق القراءات العاجلة بمعنى محكوم بالرؤى الاستراتيجية للمصالح الحيوية لأمريكا والتي جعلت من أي مرشح رئاسي أمريكي يضع دعم وجود إسرائيل وحمايتها والحفاظ على بقائها وتسيدها كقوة نافذة في الإقليم التزام أول في أجندة برنامجه الانتخابي وهذا ما فعله أوباما أيضاً، وهو ما دفع بوش الابن لكي يستمر في فترة رئاسة ثانية لتقديم وعداً لإسرائيل لا يقل خطورة عن وعد بلفور عبر رسالة الضمانات والتي بعث بها لشارون في 14/ 4/ 2004 م بعدما سجل الأخير أربعة عشر تحفظاً على خطة خارطة الطريق المقدمة من الرباعية الدولية.
هذا الوعد والذي أنطوى على إسقاط حق عودة اللاجئين، والقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وتوسيع حدود إسرائيل أمر قابل للتفاوض مع الفلسطينيين ارتباطاً بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.
في ظل وجود هكذا التزامات أمريكية لإسرائيل، يبدو واضحاً ومفهوماَ شعور الأوساط السياسية، والاقتصادية الإسرائيلية بالقلق البالغ من التقارير والتي تتحدث عن تداعيات الأزمة المالية لأمريكا واحتمالات تأثيرها على دعمها لإسرائيل.
أمريكا تشهد أزمة مالية طاحنة، وصفت في تقارير مجلس الشيوخ الأمريكي، بأنها (أزمة حافة الهاوية المالية)، لذا لا غرابة بما نقل عن أن إسرائيل بدأت منذ فترة بحث البدائل الممكنة في حال أدت الأزمة الاقتصادية الأمريكية المتفاقمة إلى تقليص ما بحجم الدعم، والمساعدات المقدمة لها.
إن الفترة الرئاسية الثانية لباراك أوباما ستكون فترة حاسمة في تاريخ أمريكا، لأن الإدارة الجديدة ستبدأ عهدها بمجموعة ملفات ساخنة وكبرى بسبب الأزمات الكبرى في العالم وهي:
أولاً: الأزمة المالية الطاحنة والتي وصلت أزمة حافة الهاوية بأمريكا نفسها.
ثانياً: الأزمة السورية بكل أبعادها، تداعياتها، وتأثيراتها في المناخات الإقليمية والدولية.
ثالثاً: الملف النووي الإيراني الشائك بكل ما ينطوي عليه من احتمالات في الحل السلمي، أو المواجهة العسكرية.
رابعاً: الوضع في كوريا الشمالية وحالات الشد والجذب في السياسات الإقليمية هناك بين الأطراف المختلفة.
طبعاً ليست أمريكا قدراً لا يرد بالنسبة للشعوب ومنها الشعب الفلسطيني والتي أوقفت الإدارة الأمريكية الدعم المقدم للسلطة، بعدما أصرت القيادة الفلسطينية على الذهاب للأمم المتحدة للحصول على دولة غير عضو فيها.
رغم تفاقم أزمات أمريكا، فهي ليست على وشك الانهيار، بل مازالت من القوى العظمى الرئيسة المقررة في سياسات العالم، وإن تراخت قبضتها العسكرية/ الاقتصادية بعض الشيء، مما قد يساهم، يساعد قليلاً أو كثيراً شعوب العالم ومنها الشعب الفلسطيني بالحصول على بعض حقوقه والتي عارضتها الولايات المتحدة (أمريكا استخدمت الفيتو لحماية مصالح إسرائيل أكثر من مئة مرة)، فهل بداية ضعف أمريكا يترافق مع بداية ضعف إسرائيل؟
بحكم ترابط الاعتبارات، والمصالح (السياسة)، أم ستنجح دولة الاحتلال بتجاوز تداعيات، وتأثيرات الأزمة المالية الأمريكية عليها لتواصل سياساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني؟ سؤال إجابته برسم التطورات، الأحداث والتي سيشهدها الإقليم والعالم.