اتصلت مستشارة من السفارة الأمريكية في نيو دلهي، بسفارتنا في المدينة ذاتها، تريد موعداً للقاء. أعطاها القائمون بالأعمال الموعد الذي تطلبه، وأرادوا أن يكون لقاؤها مع مستشار فلسطيني، فيما هي تريد مقابلة السفير. لم تأت في الموعد، لكنها اتصلت واعتذرت، وطلبت التأجيل الى اليوم التالي، فوافقت السفارة الفلسطينية وصبرت عليها..!
تهيأ المستشار في سفارتنا، لسماع حديثها الاستطلاعي واستفهاماتها المتوقعة، مع هامش افتراضي من حُسن النية. فلعلها تريد أن تعرف أكثر عن الموقف الفلسطيني وأن تزيد ثقافتها وتقترب من العدالة.
لما وصلت، اتجهت بخطى مسرعة في اتجاه الطابق الثاني لمقابلة السفير، فيما بدا أنها تعرف خارطة المبنى. استوقفها العاملون، وأعادوا توجيهها الى مكتب المستشار. وسرعان ما بدا أنها من أصول عراقية، وأنها تخرجت من جامعة أردنية، لكنها لا ترغب في التحدث بلغة الضاد، وقد أحضرت معها أمريكي آخر، من أصل كوري شمالي لكتابة المحضر (الاثنان من "العصافير" بلغة الحركة الأسيرة). وسرعان ما بدا أن هناك منظومة تعقيدات وكراهية، تنعكس من بين عيني المستشارة الأمريكية. فقد سألت: لماذا تساندكم الحكومة الهندية، وتتبنى مواقفكم السياسية؟ أليس ذلك مراعاة لمشاعر المسلمين الهنود كما أتوقع؟!
عندئذٍ تحولت المذكورة، في ناظر المستشار الفلسطيني، الى تلميذة متأخرة عن التحصيل (لا نريد أن نستخدم أوصافاً دامغة تدل على عاهات). وهنا، سأروي ما جرى في الحوار، بلغة أخرى ومع التصرف. أجابها المستشار: لنبدأ بسؤال أهم، لماذا أنتم تدعمون إسرائيل وهي بشهادة إداراتكم نفسها أحياناً، وبشهادة الغالبية العظمى من حكومات العالم دائماً، تقف في المربع الخطأ. فالطبيعي أن لا تدعم حكومة أية دولة، ممارسات إسرائيل، فيما هي تظلم وتحتل أراضي الآخرين، وتمنع استقلالهم الوطني؟! ردت المستشارة باقتضاب: إنها ضرورات استراتيجية أمريكية؟! عندئذٍ، أجابها المستشار بصيغة الاستفهام: هل يكون التأييد الأعمى، حتى على الخطأ، وعلى الرغم من الظلم ومن خلال التجاهل التام لضرورة استراتيجية مُلحّة، تقتضي الحفاظ على مصالحكم في العالم العربي الشاسع؟! ردت: لنعد الى سؤالنا، إن هذا ليس موضوعنا. الموضوع هو الدعم الهندي لفلسطين، هل هو مراعاة للمسلمين الهنود؟ أجابها المستشار: لو قلت لك إن المسلمين هم السبب الحصري للمساندة الهندية، لوقعتُ في خطأ كبير، مع ورطة لن أستطيع بعدها الإجابة عن أي من الأسئلة الكثيرة التي ربما تُفاجئينني بها، ومن أمثلتها: هل كان وما زال الإسبان والإيرلنديون، وهم من الكاثوليك، يدعمون فلسطين بحماسة، مراعاة لمشاعر الأرثوذكس في روسيا؟ وهل يدعم البروتستانت النرويجيون بحماسة، القضية الفلسطينية، تكفيراً عن آثام البروتستانت البريطانيين والأمريكيين، وتقرباً من مسلمي السعودية؟ وهل الكاثوليك اللاتينيون البعيدون، في أمريكا الجنوبية، يتقربون من خلال دعمهم لفلسطين، من البابا الكاثوليكي أم يتقربون من أرثوذكس روسيا وبروتستانت ألمانيا، باعتبارهم المجتمعات التي أنتج نابغتها الفكر الاشتراكي؟ وماذا عن البوذيين في مملكة بوتان وسائر كيانات آسيا الهندوسية، هل يؤيدون فلسطين، تصالحاً مع أطياف سلاطين المسلمين الراحلين في بلاد الهند، وتقديراً لعمائرهم البديعة الباقية، من مساجد ومدافن وقصور؟ ولماذا لم تصوت معنا في الأمم المتحدة، جمهوريتا البوسنة وألبانيا، المسلمتان، وهما الخالتان فاطمنوف وعايشنوف؟ لقد ثبت في الأمم المتحدة، أن الخالتين، في حاجة الى دروس في التقوى، من "إيميكا" الصربية؟ فكيف سأجيبك عندئذٍ يا سعادة المستشارة، في حال الاستطراد بهكذا افتراضات وأسئلة؟!
ويستطرد المستشار: إن قلت إن المسلمين الهنود هم السبب الحصري للمساندة، فأين أذهب بتراث تاريخي طويل، من الدعم السياسى للقضايا العربية، من جانب الزعامات الهندية الهندوسية، من المهاتما غاندي الى مانموهان سينغ، مروراً بنهرو، شاستري، إنديرا، راجيف وحتى آتال بيهاري اليميني من المعارضة؟! ثم أردف أخونا قائلاً: إن قضية فلسطين، متخطية للأعراق والأديان، وهي إنسانية وحقوقية وأخلاقية بامتياز، وهذا هو سبب الدعم الذي نتلقاه من العالم. ومن تحصيل الحاصل، أن نتلقاه من بلد عريق، يبدأ به التاريخ وينتهي..!
الأمريكيون يلعبون بأوراق الطوائف والأديان. وهذه سياسة غبية، لن يقلل من سخافتها ولا يمنع إطلاق هذا الوصف عليها، كونها السياسة التي ما تزال تعتمدها، الدولة العظمى الأولى في هذا العالم..!