2013-01-15

تقديم الرواية الفلسطينية للاسرائيليين من خلال المقاطعة..!


بقلم: د. حيدر عيد

إن الحديث عن (تقديم الرواية الفلسطينية للإسرائيليين وفزاعة التطبيع) يشوبه الكثير من الأخطاء التي قد تكون عن وعي، أو عدم وعي..! ولكن كون الطرح يأتي في هذا التوقيت بالذات، ومن قيادات محسوبة على تيارات سياسية كبيرة، يحتم علينا أن نفند المغالطات الكثيرة الواردة في هذا الطرح والعودة لأبجديات المقاطعة وتعريف التطبيع على الرغم من أننا، وأحياناً بسذاجة نعترف بها، كنا نتوقع أننا قد تخطينا هذه المرحلة..!

بدايةً، إن الإدعاء أن "هناك خلاف حول تعريف المقصود بكلمة تطبيع ما هي النشاطات التي تندرج تحت هذا العنوان وبالتالي يجب ان تكون مرفوضة و ما هي النشاطات المسموح ممارستها و التي تندرج تحت عنوان الجهد الفلسطيني الوطني في محاصرة الاحتلال"  هو طرح ينقصه الكثير الكثير من الدقة..! وضغطة صغيرة على كيبورد أي حاسوب تقود الباحث الى تعريف التطبيع الذي يتمحور حوله إجماع فلسطيني من قبل التنظيمات الوطنية والإسلامية بالإضافة للأغلبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني..! ومن المتعارف عليه أن هناك مرجعية وطنية تقف خلف هذا التعريف ولا يوجد خلاف حوله من قبل أي فصيل او مؤسسة مجتمع مدني وقعت على نداء المقاطعة الشهير الصادر عام 2005. وكانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل قد صاغت هذا التعريف بطريقة أخذت في عين الإعتبار التجربة الجنوب أفريقية الناجحة تاريخياً:
التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني.

وفي حدود علمي فأنه لا يوجد أي اعتراض من أي فصيل فلسطيني على هذا التعريف حتى اليوم. أما بالنسبة لـ "النشاطات المسموح ممارستها و التي تندرج تحت عنوان الجهد الفلسطيني الوطني في محاصرة الاحتلال" والإدعاء بانه لا يوجد معايير لها، فإن تعريف التطبيع نفسه يوضح  أنه  "يستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين، بالإضافة إلى المناظرات العامة. كما تستثنى من ذلك حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب التعاون الفلسطيني-الإسرائيلي". وبالتالي صدرت معايير للمقاطعة تم دراستها من كل المشاركين في سكرتاريا لجنة المقاطعة الوطنية، وأهمها أن التطبيع ينطبق بشكل واضح على " أي نشاط أو مشروع يهدف لتحقيق "السلام" من دون الاتفاق على الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف حسب القانون الدولي وشروط العدالة" و"إقامة أي نشاط أو مشروع، يدعو له طرف ثالث أو يفرضه على الطرف الفلسطيني/العربي، يساوي بين "الطرفين"، الإسرائيلي والفلسطيني (أو العربي)، في المسؤولية عن الصراع، أو يدعي أن السلام بينهما يتحقق عبر التفاهم والحوار وزيادة أشكال التعاون بينهما، بمعزل عن تحقيق العدالة".

أما للإجابة عن سؤال طُرح نفس المقالة المذكورة عن "من هم الاسرائيليون المسموح الحديث معهم وفي اي الأحوال" فإن الإجابة و اضحة: "اي مؤسسة إسرائيلية تقر علنا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ولا تتلقى دعماً أو تمويلاً (جزئيا أو كلياً) من الحكومة الإسرائيلية!" وعلى هذه المؤسسة أن تقر بالحقوق الفلسطينية كما تعرف في الشرعية الدولية وهي "الحق في تقرير المصير، بما فيه حق اللاجئين في العودة والتعويض طبقا لقرار الأمم المتحدة 194، وكافة القرارات المتعلقة بعروبة القدس، وعدم شرعية الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتهجير السكان بالقوة وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا" وفي هذا السياق لابد من التذكير بأنه يوجد الإن في اسرائيل حملة تدعو لمقاطعة الدولة و العمل على عزلها من خلال دعم النداء الفلسطيني للمقاطعة، وتطلق هذا الحملة على نفسها اسم (المقاطعة من الداخل).

 وكان نداء المقاطعة الصادر عام 2005 قد ناشد منظمات المجتمع المدني في العالم بفرض مقاطعة واسعة لإسرائيل، وتطبيق سحب الاستثمارات منها، في خطوات مشابهة لتلك المطبقة ضد جنوب أفريقيا خلال حقبة الأبارثهايد حتى تنصاع اسرائيل للشرعية الدولية التي تنص صراحة على:

• إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية وتفكيك الجدار
• الإعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين
• إحترام وحماية ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم كما هو منصوص عليه في قرار اﻷمم المتحدة رقم 194.

وهذه المطالب الثلاث لا يمكن تجزأتها. إن الخطر الكبير يأتي من التعامل مع كل مطلب بشكل تجزيئي. والأخطر من ذلك عدم التطرق بالمطلق للطبيعة العنصرية لإسرائيل ومحاولة التوصل لصيغة تنص على إيجاد "حل عادل لقضية اللاجئين..!" بدلاً من المطالبة بتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 والتأكيد على حق اللاجئين في العودة بدلاً من جعله موضعاً للمساومة على طاولة مفاوضات لا تمثل بأي شكل من الأشكال توازناً للقوى بين المضطهِد المستعمِر والمضطهَد المستعمَر.

ومن المغالطة الطرح أن الجدل "هوحول جدوى العمل على الساحة الاسرائيلية من عدمها مع القوى والشخصيات السياسية التي تقبل بحل الدولتين"— وليس هنا مجال الحديث عن القوى الصهيونية المؤيدة لحل الدولتين والمعارضة لحقي العودة والمساواة. على العكس من ذلك فإن العمل يجب أن يكون بالنضال لاصلاح الخلل الهائل في توازن القوى مع مجتمع يتجه نحو الفاشية بخطى سريعة. لم تحاول الحركة المناهضة للتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا "إقناع الشارع الأبيض" بضرورة إنهاء نظام الأبارتهيد، بل دعت للمقاطعة بكل أشكالها. ولم تتباكَ تلك الحركة على "ترك هذا المجتمع المفتوح للدعاية اليمينية المتطرفة ولاكاذيب الساسة البيض الذين يقولون ان السود يريدون ان يلقوهم في البحر وانه لا يوجد شريك أفريقي وان المشكلة ليست في الأبارتهيد بل المشكلة في ثقافة الأفارقة القائمة على القتل والارهاب وكره البيض"..! كذلك لم تعتبر تلك الحركة ما يحدث في البلاد "صراعاً"، بل تفرقة عنصرية فجة معادية لحقوق الإنسان..!

إن رواية المضطهَد المستَعمَر لا يمكن إيصالها للمضطهِد المستعمِر من خلال مفاوضات عبثية تخلق الإنطباع الزائف أن هناك  حوار بناء بين"طرفين متساويين في القوة." بل أن المقاطعة هي البديل لأنها "شكل نضالي مشروع أقرته المواثيق والأعراف الدولية".

إن البديل النضالي لمفاوضات ثبت عقمها هي المقاطعة لأنها إستراتيجية نضالية أثبتت فعاليتها الهائلة، بل أنها تتصدر حاليا الأدوات النضالية ضد سياسات الإحتلال والأبارتهيد والإستيطان مجتمعة..! إن تقديم الرواية الفلسطينية عن طريق مفاوضات عبثية تطبيعية يصب في مصلحة الحملة التي تقوم بها إسرائيل من (تسويق) لصورتها وتجميل وجهها في مواجهة المد المتنامي لحملة المقاطعة الدولية التي تعمل، وبوضوح، على عزل الدولة العبريّة..! نعم، عزل اسرائيل كما عُزل النظام العنصري بشكل كامل في نهايات الثمانينيات..!

إن معظم من تم اللقاء والحوار معهم من إسرائيليين خلال مفاوضات العشرين سنة الماضية هم مجرمو حرب يجب تقديمهم لمحكمة الجنايات الدولية ولا يمكن مقارنتهم بأي شكل من الأشكال مع من يجب أن يمثل آلام ونضالات الشعب الفلسطيني. فالمقارنة التي تنشأ عن هكذا "لقاءات وحوارات ومفاوضات" تعطي ذلك الانطباع الخاطئ..! فنحن شعب يعاني ويلات الإحتلال والأبارتهيد والإستيطان والتطهير العرقي الممنهج..! و(الطرف الثاني) يمثل الذراع الضاربة لمن يمارس هذه الجرائم..!

ومن الملاحظ أن اسرائيل تحاول في الفترة الأخيرة تجميل صورتها من خلال حملة الهاسبراة (البروباجندا) الإسرائيلية التي تشرف عليها وزارة الخارحية الليبرمانية التي انطلقت أساسا كرد فعل على نمو حملة المقاطعة الدولية يتوجيهات فلسطينية، والتي تعمل، حسب موقع وزارة الخارجية، على تسويق إسرائيل وتجميل وجهها الملطخ بدماء الضحايا الفلسطينيين.

وكان تقرير مؤسسة ريوت (رؤيا) الاسرائيلية، الذي تم اعتماده في مؤتمر هرتسيليا قبل 3 سنوات بعنوان (نزع شرعية إسرائيل)، قد أقرَّ أن حملة المقاطعة (بي دي أس) تنجح في مسعاها لعزل إسرائيل من خلال إبرازها كدولة مارقة، خارجة عن القانون، ودولة أبارتهيد حسب تعريف القانون الدولي، وبالتالي يجب معاملتها كنظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. ونصح التقرير المذكور بالتعامل مع حملة المقاطعة من خلال حملات مضادة تقوم بها وزارة الخارجية وتعمل على تجنيد  سياسيين ومثقفين وفنانين (ويا ليتهم كانوا فلسطينيين..!) لتغيير هذه الصورة القبيحة و(تسويق) إسرائيل على أنها دولة (تقدمية، ديمقراطية، حرة..!)

ما حصل في غزة 2009 و2102 من جرائم هائلة تقشعر لها الأبدان، والتأييد الكبير لها، أنما يدل على أن المجتمع الإسرائيلي، بشكل عام، يتميز بصفات فاشية عنصرية، مع بروز بعض الأصوات الخافتة المعارضة. ولكن اي قراءة لنسبة من أيدوا الحربين على غزة، واكتساح اليمين العنصري للانتخابات السابقة والقادمة، انما يحب أن تؤدي لنتيجة واضحة ألا وهي أن تكرار الحديث عن العودة للمفاوضات على نفس الأسس، وأن هناك من نستطيع أن نحاورهم لأننا يجب أن نوصل روايتنا، إنما يعبر عن أصوات هامشية لم تستوعب دروس التاريخ..!

إن تقديم الرواية الفلسطينية للاسرائيليين يجب أن يكون من خلال العمل على عزلهم بالكامل والإصرار على دعوة المجتمع الدولي لمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية التي لا تعترف بالحق الفلسطيني المقر من قبل الشرعية الدولية. إن الرواية الفلسطينية هي رواية مقاومة لا تساهم بأي شكل من الأشكال في "تجميل" الوجه القبيح للاحتلال والأبارتهيد، هي رواية حقوق في مواجهة استعمار استيطاني. وبالتالي فإنها رواية تستلهم الأساليب النضالية الخلاقة من تجارب شبيهة نجحت في التخلص من الإضطهاد كما حصل في جنوب أفريقيا..!

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com