2013-01-15

مهرجان "فتح" اذ يدحض خطاب نهاية التاريخ بنسخته الحمساوية


بقلم: ماجد عزام

فاجأ الشعب الفلسطيني عبر المهرجان المليوني الحاشد في ذكرى انطلاقة حركة "فتح"، ليس فقط إسرائيل وبعض الدول العربية والإقليمية، وإنما قادته أيضاً من "فتح" و"حماس" على حد سواء، فقادة الحركة الوطنية  المنعزلين ربما عن جمهورهم وحتى عن شعبهم لم يتوقعوا بعد اقتتالهم الداخلي وانقسامهم وإهمالهم لغزة، بفتحاوييها وناسها أن يكون جمهورهم وفي وقوى الشكيمة والعزيمة إلى هذا الحد، بينما لم يتوقع قادة الحركة الإسلامية بعد سنوات من الاستبداد والاستئثار والتضييق على الحريات العامة والخاصة، أن يكون الجمهور الفتحاوي والغزاوي على هذه الدرجة من العناد والصلابة  والإصرار على الحرية والحياة ما استطاعوا إليهما سبيلاً.

حمل المهرجان في طياته دلالات عدة ووجّه رسائل في اتجاهات مختلفة، غير أن أبرزها وأكثرها بلاغة وحدة وصخباً نقضه خطاب نهاية التاريخ بتحديثاته الحمساوية، والذي بدا على استحياء مع الربيع العربي وميدان التحرير المتنقل - رغم أن رسالته الأساس كانت ضد الأحادية والاستبداد - ثم بات أكثر وضوحاً بعد حرب غزة الأخيرة، والمدعي أن منهج "حماس" الفكري والسياسي هو المنتصر وأن على الآخرين التسليم بهذا الأمر، وبالتالي تسليم الحركة الإسلامية سدة القيادة في المؤسسات الفلسطينية المختلفة وتحديداً منظمة التحرير بوصفها المرجعية الأعلى والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

المهرجان الذي تحول إلى ما يشبه العرس الوطني الكبير، أثبت أن ثمة شريحة بل شرائح واسعة في الشعب الفلسطيني لا تشاطر "حماس" رؤاها الفكرية الضيقة القصيرة النظر الاستبدادية والاستئثارية، وتختلف معها سياسياً أيضاً، علماً أن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة التنكّر لخيار المقاومة، وإنما  التحليق والتسامي في فضائه الرحب بعيداً عن التفسير الأحادي الجانب للحركة الإسلامية.

العرس الفتحاوي الوطني الكبير أكد كذلك على تجاوز بل الانتصار في مواجهة المنحى الاستبدادي القهري والتضييق على الحريات العامة والخاصة، الذي مارسته السلطة الحمساوية بحق غزة وأهلها في السنوات الخمس الأخيرة، وأكد إصرارهم على انتزاع حقهم الطبيعي في ممارسة العمل السياسي والحزبي بعيداً عن أي قيود ذات طابع أمني أو فئوي ضيق وقصير النظر.

طبعاً، لا يمكن تجاهل الرسالة الأساس التي أراد المتظاهرون إيصالها إلى  قيادة فتح بضرورة الارتقاء إلى مستوى المسؤولية إلى تضحيات الأم وأمال الجمهور الفتحاوي الذي تخلّت عنه قيادته لسنوات وتركته عرضة لاستبداد حماس وقهرها، ورغم ذلك لم يتخلى عن قناعاته أو انتماءاته الحزبية واعتبار فتح إحدى القلاع الوطنية الكبرى وضعف تراجعها أو حتى انهيارها لا سمح الله يرتد سلباً على المشروع الوطني والقضية الفلسطينية بشكل عام.

المعطيات السابقة تبدت مجتمعة في مطلب إنهاء الانقسام وتنفيذ اتفاق المصالحة بشكل فوري، والذي مثّل العنوان الأساس للمهرجان العرس، باعتباره ضرورة وطنية ليس فقط لإنهاء الاحتلال، وإنما للحفاظ على الطابع التعددي الفكري والسياسي للشعب الفلسطيني، والذي مثّل تاريخياً أحد مصادر قوته وعامل أساس من عوامل صموده في مواجهة الحرب الإسرائيلية اليومية المتعددة الأشكال الأبعاد والجبهات.

المهرجان العرس فاجأ كذلك الدولة العبرية ووجّه ضربة قاصمة إلى سياستها الساعية إلى شيطنة أهل غزة ووصفهم بالإرهاب والادعاء بعدم أهليتهم أو جدارتهم في السيادة الاستقلال وتقرير المصير وافتقادهم إلى  ثقافة أو مشروع  حياة ككل الشعوب الحرّة والسيّدة الأخرى في العالم.

في الأخير وباختصار كان مهرجان انطلاقة "فتح" بمثابة عرس وطني كبير تجاوز الإطار الحزبي الضيق  إلى الفضاء الوطني الرحب، وحدّد الخطوط العريضة للطبقة السياسية كي تتصرف بموجبها لجهة الإصرار على الطابع التعددي الفكري والسياسي للشعب الفلسطيني، رفض الانقسام والتمسّك بالوحدة الوطنية على طريق  تحقيق  الهدف الكبير في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

عدم إنصات الطبقة السياسية أو استيعابها الدقيق لرسالة الشعب، لن يفت في عضده أو يدفعه إلى اليأس والإحباط حسب كل التجارب التاريخية السابقة، كونه كان دائماً في المقدمة بينما تمشي القيادة لاهثة خلفه، وهذا المزاج الشعبي العنيد سيكون السبب الأساس للانتصار الحتمي في مواجهة المشروع الصهيوني؛ الانتصار الذي قد يؤخّره الأداء القيادي المعيب والسيء ولكنه لا يمنعه بأي حال من الأحوال.

* كاتب فلسطيني، مدير مركز شرق المتوسط لللدراسات والاعلام- بيروت. - mgd_azam@hotmail.com