2013-01-14

تقديم الرواية الفلسطينية للاسرائيليين وفزاعة التطبيع..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

على الرغم ان هناك اجماع فلسطيني رسمي وشعبي يرفض التطبيع مع الاحتلال الا ان هناك خلاف حول تعريف المقصود بكلمة تطبيع وما هي النشاطات التي تندرج تحت هذا العنوان، وبالتالي يجب ان تكون مرفوضة، وما هي النشاطات المسموح ممارستها والتي تندرج تحت عنوان الجهد الفلسطيني الوطني في محاصرة الاحتلال. من هم الاسرائيليون المسموح الحديث معهم؟ وفي اي الاحوال؟ ومن هي الجهات الفلسطينية المسموح لها التواصل معهم وما هي مواصفاتها؟ وجهات النظر مختلفة، احيانا تنطلق من رؤيا فصائلية او فكرية، وفي أغلب الاحيان لها علاقة بالفهم السياسي للصراع.

منظمة التحرير الفلسطينية ومنذ مطلع السبعينات أقرت توجها بضرورة العمل على الجبهة الاسرائيلية الداخلية. في البداية كان الحديث يدور فقط عن اليهود غير الصهاينة، وبعد ذلك اتسعت الدائرة لتشمل كل القوى التي تؤيد الحق الفلسطيني في اقامة دولتة المستقلة الى ان تطور هذا التوجه ليشمل كل القوى والاحزاب الاسرائيلية التي لديها الاستعداد للاعتراف بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس على حدود عام 67. لقد اكدت القيادة الفلسطينية على هذا التوجه قبل حوالي الشهر من خلال تشكيل لجنة للتواصل مع المجتمع الاسرائيلي مكونة من اعضاء في اللجنة التنفيذية واعضاء من اللجنة المركزية لحركة "فتح".

على اية حال، هناك من يعتقد ان لا جدوى من الحديث مع الاسرائيليين، والدليل على ذلك ان المجتمع الاسرائيلي اصبح اكثر تطرفا.. وهناك من يذهب الى ابعد من ذلك حيث يعتبر ان اي لقاء بغض النظر مع من يكون، وان اي نشاط بغض النظر عن طبيعته، بل اي مصافحة لاي اسرائيلي من قبل اي فلسطيني هو عمل مرفوض وطنيا وهو يخدم المشروع الصهيوني ويضر بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني. وقد يصل بالنسبة للبعض لدرجة الخيانة و العمالة مع الاحتلال..!!

ليس لدي جدل مع اؤلئك الذين لا يؤمنون بالمفاوضات على أساس اقامة دولة فلسطينية على حدود 67 والذين يعتبرون ان العدو لا يفهم الا لغة الصواريخ والتفجيرات وان لا تنازل عن اي شبر من فلسطين لا بالمفاوضات ولا بغيرها. هؤلاء لا استطيع ان اقنعهم بأهمية التأثير على المجتمع الاسرائيلي بضرورة القبول بحل الدولتين لانهم انفسهم لا يؤمنون بهذا الحل.

الجدل هنا حول جدوى العمل على الساحة الاسرائيلية من عدمها هو مع القوى والشخصيات السياسية التي تقبل بحل الدولتين، خاصة فصائل منظمة التحرير التي اقرت ان الهدف هو اقامة دولة فلسطينية مستقلة على الاراضي التي احتلت عام 67 والقدس الشرقية كعاصمة لها وحل عادل لقضية اللاجئين على اساس القرار 194. هذا هو برنامج القاسم المشترك لكل القوى والفصائل المنضوية تحت اطار منظمة التحرير والتي لا تعارضة حتى الفصائل الاسلامية الجهادية وان كانت "حماس" على سبيل المثال تريد هذا الحل دون اعتراف باسرائيل، ولكن مع هدنة طويلة الأمد.

اذا كان الأمر كذلك، هل من المفيد ايصال الرواية الفلسطينية من القضايا المختلفة المتعلقة بالصراع والعملية السياسية للمجتمع الاسرائيلي؟ هل من المصلحة الفلسطينية اقناع الشارع الاسرائيلي بضرورة وقف الاستيطان وانهاء الاحتلال وان حل الدولتين هو فائدة للجميع؟ ام ان المصلحة الفلسطينية ترك هذا المجتمع المفتوح للدعاية اليمينية المتطرفة ولاكاذيب الساسة الاسرائيليين الذين يقولون ان الفلسطينيين يريدون ان يلقونا في البحر وانه لا يوجد شريك فلسطيني وان المشكلة ليست في الاحتلال والاستيطان بل المشكلة في ثقافة الفلسطينيين القائمة على القتل والارهاب وكره اليهود؟!

خلال العقدين الأخيرين اتيحت لي الكثير من الفرص للحديث مع الاسرائيليين وبكافة مستوياتهم. لقد حفظت اسئلتهم عن ظهر قلب وتعلمت الكثير من خلال التجربة المتراكمة عما يفكرون به تجاهنا وتجاه انفسهم. بعد كل لقاء ادرك كم هو مفيد لنا كفلسطينيين ايصال الرواية الفلسطينية لهم وبشكل مباشر، حيث هناك فارق كبير بين الحقيقة وبين ما يعتقدون هم انها الحقيقة. هناك رواية اسرائيلية ليس لها علاقة بالواقع الذي نعرفة وهناك رواية فلسطينية الغالبية العظمى من الاسرائيليين لا يعرفونها. امثلة على ذلك:

اولا: هناك قناعة اسرائيلية ترسخت بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000 بأن اسرائيل عرضت على الرئيس عرفات كل شيء ممكن لكنه رفض، وفي انابولوس اولمرت عرض على الرئيس عباس كل شيء ولكنه رفض عرضه وهذا دليل ان الفلسطينيين لا يريدون السلام على اساس دولتين بل يريدون كل فلسطين من نهرها الى بحرها. الرواية الفلسطينية بطبيعة الحال معروفة.

ثانيا: هناك قناعة اسرائيلية ان احد الاسباب في عدم التوصل الى اتفاق ليس الاحتلال والاستيطان بل لأن ما يُعلمه الفلسطينيون لأولادهم في المدارس قائم على كره اليهود والى ان يتغير ذلك لن يكون هناك سلام. الرواية الفلسطينية واضحة ان الاحتلال والاستيطان وثقافة اليمين المتطرف هي العائق، وهي المشكلة الحقيقية.

ثالثا: هناك قناعة اسرائيلية بأن أي لقاء بين "فتح" و"حماس" وبين مشعل والرئيس عباس هو مؤشر على ان الفلسطينيين لا يريدون السلام. الرواية الفلسطينية ان من حق الشعب الفلسطيني ان يوحد صفوفه وان الرئيس عباس ومشعل هم قادة يعبرون عن رغبات ومصالح الشعب الفلسطيني.

رابعا: نتنياهو واليمين استطاع ان يقنع الاسرائيليين انه جاهز للجلوس على طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة ولكن الرئيس عباس هو الذي يرفض. الرواية الفلسطينية ان من يضع شروط وعقبات ولا يملك برنامجا سياسيا هو نتنياهو وحكومة اليمين وليس الجانب الفلسطيني.

خامسا: من الذي يمثل الفلسطينيين؟ "حماس" ام "فتح"؟ وهل يمثل الرئيس عباس الضفة فقط؟ ومع من نصنع السلام؟ وماذا مع غزة التي تسيطر عليها "حماس"؟ الرواية الفلسطينية ان منظمة التحرير هي المخولة بالمفاوضات وان الانقسام هو مؤقت وجديد في حين الصراع عمره اكثر من مئة عام.

خلاصة القول، وهذه وجهة نظري التي أؤمن بها ولا أتردد في الدفاع عنها، والتي تعكس ما تؤمن به منظمة التحرير وما تؤمن به حركة "فتح" وأقرته مؤسساتها العليا ان العمل على الساحة الاسرائيلية هو احد أشكال النضال الفلسطيني وهو لا يشكل بديلاً عن الاشكال النضالية المشروعة الاخرى والتي اقرتها المواثيق والأعراف الدولية. صحيح أن التأثير محدود، وصحيح أن النتائج غير مشجعة ولكن ايضا هذا ينطبق على أشكال كثيرة اخرى من أشكال النضال الفلسطيني.

بطبيعة الحال هذا الأمر يجب ان يكون ضمن استراتيجية فلسطينية ورؤيا واضحة وفقط من يمتلك الخبرة والتجربة والحصانة الوطنية هو من يستطيع القيام بهذا العمل. هو ليس هواية او جزء من "البزنس" ومصدر للاسترزاق كما يمارسه البعض بل هو عمل وطني صرف يهدف الى تحقيق الاهداف الوطنية المشروعة التي اقرتها المؤسسات الوطنية الفلسطينة.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com