يزدهر سوق استطلاعات الرأي العام قبيل مواسم الانتخابات العامة بشكل خاص. ورغم الشوائب التي يمكن أن يثيرها هذا النهج من الدراسات، لكنها لا تخلو من فوائد لمن يمتهن السياسة.. هذا ينطبق على القيادات السياسيه العربية أيضاً. لقد فشلت القوى السياسية العربية في توحيد صفوفها، سواء في شكل قائمة موحدة أو على غرار ما فعله "الليكود" و"إسرائيل بيتنا". ولا يجدي الآن إلقاء اللوم على هذا الحزب او ذاَك، أو توجيه التهم إلى أي منهم. اما تقريع الافراد الذين اصطفوا في الاحزاب التي تعرف نفسها صهيونية فهو كما يقولون بالانجليزية a lost case (قضية خاسرة) ولا رجاء منهم.
لم أنتم إلى أي حزب معين في حياتي رغم اهتمامي بالشأن العام لهذه الأقلية المنكوبة. إن عدم مشاركة قطاع واسع في الانتخابات العامة ظاهرة عامة في المجتمعات العادية. لكن وضع الأقلية العربية ليس عادياً لأسباب لا مكان هنا للخوض فيها، الأمر الذي يدعو للقلق هو إطراد نسبة عدم الاشتراك المستمر. فقد نشرت صحيفة (كل العرب) في 14.12.2012 نقلاً عن استفتاء لصحيفة (هاَرتس) بأن نسبة عدم المشاركة في الانتخابات القادمة سيصل إلى حوالي 50% على الأرجح..!!
إن كل إنسان سليم الفهم لا يستطيع استيعاب ذلك عقلياً: أقلية تعاني من التمييز وإلإقصاء والإهمال، وربما النبذ كلياً، ناهيك عن الفقر والبؤس الذي تعيشه الأغلبية الساحقة منها. كيف يمكن فهم استنكاف قطاع واسع عن المشاركة في الانتخابات القادمة كما تعكس استمارة صحيفة (هآرتس)؟!
دأبت وسائل الاعلام الاسرائيلية المختلفة ومن يعمل بها، وخاصة الناطقون باسم الاحزاب الصهيونية، تنشر الزعم بأن النواب العرب لا يعيرون اهتماماً لمشاكل ناخبيهم، وجل نشاطهم يدور حول القضية الفلسطينية. الغريب في الأمر أن سواد الاعلاميين الاسرائيليين يندبون ضعف الاولوية الكبرى عند اليهود الامريكيين لما يعتبرونه من تحديات تواجه السياسات الاسرائيلية بينما يُحرم على الفلسطينيين العرب في إسرائيل التضامن مع المطالب الفلسطينية في الاستقلال. الخطير في الامر أن كذبة إهمال النواب العرب لشؤون ناخبيهم نجحت في تسطيح الوعي عند شريحة واسعة من المواطنين العرب. ويجب الاعتراف أن الاحزاب العربية فشلت في مواجهة هذه الظاهرة.
يشير الاستطلاع أن 28% من الممتنعين عن المشاركة في الانتخابات يعود إلى رفض الاحزاب العربية أو بعضها تشكيل قائمة موحدة. لم يقتصر النقاش حول جدوى توحيد القوى السياسية أو تعددها على الرأي العام العربي فقط. وتجدر الاشارة في هذا السياق أن حلبة الجدل دارت بين النخب، وليس بين الجماهير على ما اعتقد.
وكما قال ماركس، إن لم تخني الذاكرة، من الصعب أن تجمع مائة مثقف على رأي معين، لكن من السهل أن تحشد مائة ألف من الجماهيرفي مظاهرة. لا أدري أسباب ودوافع معارضة توحيد القوائم العربية الحقيقية سواء كانت فكرية أو أنانية الغرور بالنفس أوالحزب. لكن إحجام قطاع واسع عن المشاركة يشير إلى اغتراب القيادات السياسية عن جماهير غفيرة. وهذا علامة إنذار أخرى. أمكن عمل ما فعله "الليكود" و"إسرائيل بيتنا" للحفاظ على خصوصية كل حزب.
لكن مظاهر الاغتراب لا تقتصر على ذلك. يقال الله يرحم أيام زمان. أعني بذلك عندما كان الحزب الشيوعي خلال الخمسينات والستينات يقوم بنشاطات مهرجانية من حين لآخر في الباحات والشوارع، خاصة عندما يقترب موسم الانتخابات. أحدث هذا النمط من النشاط السياسي لحمه واحدة بينه وبين جماهيره. صحيح أن الظروف تغيرت . لكن المجتمع العربي يختلف عن نظيره اليهودي. لا زال الماضي يعيش في الحاضر إلى حد بعيد دون الخوض في التفاصيل. لا يكفي تفعيل كوادر الحزب أو النشاط السياسي داخل قاعات خاصة لإشعار جمهور الناخبين بأنه الحزب نفسه أو امتداد له. يجب استكشاف آليات جديدة لاستنهاض الوعي النائم والمتسلب.
يطرح وضع كهذا السؤال: ما العمل وماذا يمكن إنقاذه؟
لا توجد خيارات أمام الجماهير العربية. لسنا بصدد إقامة مجتمع اشتراكي أو إقامة دولة قومية أو إسلامية. كذلك لا يوجد اختلاف جوهري بين الاحزاب العربية حول الدعوة لحل المشاكل التي تواجه الاقلية العربية الفلسطينية. لقد أصبح خوض الانتخابات في قائمة على غرار ما فعل "الليكود" و"إسرائيل بيتنا" متأخراً. لكن توحيد الحملة الانتخابية في أطار مشترك وحشد جميع الكوادر لانتخاب القوائم العربية وعزل الاحزاب التي تعرف نفسها صهيونية ومرتزقتها من العرب، بسبب سياستها وفكرها، ليس متأخراً. تبقى الحرية للناخب العربي أن ينتخب من يرغب في انتخابه. المهم استنهاض الشعور والوعي لدى الانسان العربي بأن قوة العرب الانتخابية مؤثرة وتستطيع أن تحدث تغييراً يحسب حسابه، وربما أن تكون أو تصبح حاسمة كما حدث خلال حكومة إسحاق رابين أو أنتخابات الرئاسة في 1999. يجب العودة إلى الحشد الجماهيري واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وهذا اضعف الايمان. هناك خطر حقيقي، ليس حالياً، لكن ربما مستقبلاً، ليقول الناخب العربي للأحزاب (زهقناكم).