2013-01-13

العراق: نحو إعادة تشكيل النظام السياسي على أسس وطنية ديمقراطية


بقلم: أحمد .م. جابر

هل حقاً من الصعب التخلص من الديكتاتورية في العراق، وهل كانت الديكتاتورية رجلاً أم نظام حياة؟ وهل كان يوم التاسع من نيسان 2003 هو فعلا يوم إسدال الستار على الديكتاتورية في العراق بغض النظر عن اختلاف الآراء في تقييم تلك المرحلة؟ وهل كان اليوم التالي لصدام حسين في العراق مختلفا ومناقضا فعلاً في تاريخ العراق أم أنه مجرد إعادة إنتاج نظام قديم بصورة جديدة، لديكتاتورية كانت علمانية قومية، وأصبحت دينية طائفية؟

هذا النوع  من الأسئلة أصبح متداولا بقوة في  الشأن العراقي بعد ست سنوات من حكم نوري المالكي، وبعد تسع سنوات من سقوط نظام صدام  حسين وإقامة نظام جديد محمول على الدبابات وصواريخ كروز الأمريكية، وفي ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق على النظام القائم والحكومة الحالية.

فهل يمكن وصف النظام الحالي بالديكتاتوري؟ واستتباعاً هل يمكن وصف نوري المالكي بالديكتاتور؟  أم أن وصف صعود المالكي هوتوصيف لايعدو كونه تبسيطاً لحالة أكثر تعقيداً في العراق؟

كما هو حال كل ديكتاتور جاء المالكي إلى الحكم  في  ظروف  استثنائية، متقلبة اتسمت بالفوضى والاضطرابات والقتل وتهديد كيان البلاد، وإذا كان يتم النظر إلى الديكتاتور كمنقذ في البداية إلا أنه سرعان ما كان يتحول إلى مسيطر يجمع بين يديه كل خيوط السلطة وأسباب الهيمنة، قامعا معارضيه ومبعداً لهم، فهل كانت بداية المالكي ومسيرته بعيدا عن هذا السياق؟..

نوري المالكي جاء  أيضاً إلى الحكم في ظروف  معقدة في العراق حيث انتخب لتشكيل أول حكومة عراقية دائمة  منتخبة في شهر مايو 2006 بعد  أن تخلى رئيس حزب الدعوة السابق إبراهيم الجعفري عن  التنافس على المنصب بسبب المعارضة السنية-الكردية الواسعة له، وجاء تسلم المالكي للسلطة ضمن وضع أمني بالغ التعقيد سماته الخطف والتهجير والقتل الطائفي، فقدم نفسه كمنقذ للوضع بحيث أطلق عام 2007 خطة فرض القانون، وبادر للتوقيع  على إعدام صدام حسين بعد امتناع  الرئيس العراقي عن ذلك لأسباب ضميرية، بل أمر بالإسراع  في  تنفيذ الحكم.

ونوري المالكي الذي يحمل لقبا جامعيا أول في أصول الدين وماجستير في اللغة العربية هو رجل دين وسياسة في آن معاً، وطالما قدم نفسه كشخصية طائفية  أساسا إذ يصف نفسه (أولاً أنا شيعي وثانياً أنا عراقي وثالثا عربي ورابعاً أنا عضو حزب الدعوة) ويعكس هذا القول طبيعة الرجل وأولويات النظام الذي يقوده ويشكله فعلياً.

وقد سعى منذ تسلمه الحكم إلى تكريس سلطاته وتوسيع هيمنته حيث وسع سيطرته على الجيش، عبر تعيين قادة موالين له، وجعل القوات الخاصة تحت سيطرته كرئيس للوزراء وكذا الاستخبارات، وهو متهم ببسط نفوذه على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وعلى البنك  المركزي العراقي.

وككل متفرد بالسلطة فرض المالكي نفوذه على الإعلام وبرع في الدعاية الإعلامية والتلفزيونية وساهم  في تفعيل ومد نفوذ قوانين  الاستئصال من عهد  بريمر سواء  قانون المساءلة أو المخبر السري و المادة 4 إرهاب.

وقد يبدو أن رجلاً يحوز مناصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع بالوكالة، ووزير الداخلية بالوكالة ورئيس المخابرات العامة ومجلس الأمن القومي والبنك  المركزي، من السهل ووصفه  بالديكتاتور، كما أن هناك أشياء أخرى إضافية، منها عدم انصياعه للمشاركة السياسية وانقلابه على شركائه وخصوصاً انقلابه  على اتفاقية أربيل، التي  حددت بوضوح تقسيم السلطة وتوزيعها بشكل عادل ضمن المحاصصة الطائفية المكرسة، واتسم عهده بحرمان الشعب من حق التعبير السلمي  والقمع الوحشي للمظاهرات وتعطيل البرلمان، وقيامه بتصفية خصومه، وقد أثبتت وثائق أمريكية سربها موقع ويكليكس تشكيل فرق موت  بإشرافه شخصيا للتخلص من منافسيه السياسيين إضافة إلى إنشاء وإدارة سجون سرية خارج القانون.

وحسب محامين بريطانيين، فإن العراق تحول من ديكتاتورية علمانية إلى ديكتاتورية دينية بعد 2003، وقد جاء ذلك في رسالة موجهة إلى البرلمان الأوربي، مشيرين إلى الانتهاكات المتصاعدة في ظل حكومة رئيس حزب الدعوة، مؤكدين أن نسبة الإعدامات زادت 30 %  خلال ثماني سنوات عما كان عليه في عهد صدام.

وقد اتهم المالكي من أقطاب عراقية متعددة في العراق بل من بعض حلفائه المقربين بأنه يسلك سلوكا ديكتاتورياً أو يطمح لتنصيب نفسه ديكتاتورا في العراق، بل أتهم كما هو حال كل ديكتاتور، بأنه أسير أهوائه الذاتية لايصغي لصوت الشعب وتأخذه العزة بالإثم، وبأنه يخوف الشعب من العودة بدونه إلى مرحلة الاقتتال  الطائفي.

بعد كل ذلك يبقى تحليل طبيعة النظام السياسي في العراق غير مشجعة على وصف المالكي بالديكتاتور بل تضع الكثير من الشكوك أمام إمكانية تحوله لديكتاتور.

النظام الحالي في  العراق  جاء على أنقاض نظام تم تدميره تماماً، وتم تفصيل هذا النظام حسب احتياجات الطرف المنتصر وهو الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن رأي الشعب العراقي، فسلطة بريمر الاستعمارية هي التي صاغت  النظام  السياسي الحالي في العراق  بالصورة لتي نعرفها، وجاء التوزيع الطائفي لحيازة السلطات في جوهر النظام السياسي العراقي الحالي، بحيث أن هذا النظام القائم في العراق هو نظام طائفي بامتياز على الطريق اللبنانية وان بصورة أكثر تشويهاً.

وبما أن القسم الأكبر من السلطات متركز في يد طائفة محددة منذ إقامة هذا النظام، كان من السهل إنشاء دعائم ديكتاتورية، وان لم تكن فردية فإنها تجمع  بين سمات ديكتاتورية الفرد والحزب والطائفة والتوجه  السياسي  في خليط غريب وان كان يمكن فهمه  في السياق العاق يدون قبوله أو تبريره.

ويضفي الوضع الإقليمي ميزة أخرى على (الديكتاتورية المركبة) في العراق، فقد نجح المالكي، لأسباب معروفة في نسج أواصرعلاقة إستراتيجية متينة مع  الخصمين اللدودين في الإقليم والساحة العراقية، إيران والولايات المتحدة، مستفيدا من حاجة كل منهما له ولحزبه، للتحكم  بطائفته في النهاية لجرها إلى مربع السياسة المرغوب من كل منهما.

أخيرا.. هل من الممكن لهذا النوع من الأنظمة التي تعيش على التناقضات، أن يستمر في بيئة العراق المعقدة، أم أن هذا التعقيد سيكون سبباً إضافيا لاستمرارها؟

مهما كان الجواب الذي يستطيع التاريخ السياسي حسمه، فإن من المؤكد أن الحراك الشعبي العارم في العراق والذي يشكل بداية انتفاضة سياسية اجتماعية كما يبدو، لن يمر مرور الكرام، ولن تفلح الترقيعات التي يحاول المالكي وحكومته  تمريرها في وأد هذا الحراك، ومما لاشك  فيه أن مشاركة كل مكونات الشعب العراقي  في هذا الحراك  تساهم  في الوصول إلى الغاية المنشودة، حيث  مغادرة الحالة المذهبية والطائفية  تشكل مدخلا أساسياً لإنقاذ العراق والسير به في طريق إعادة تشكيل النظام السياسي على أسس وطنية ديمقراطية في طريق  حرية وتقدم حقيقيين في  خدمة العراق وشعبه  أولا وأخيراً.

* كاتب فلسطيني مبعد يقيم في دمشق. - a_m_jaber2002@windowslive.com