من بين تقاليد الصحافة الهندية، ما يفيد كثيراً على صعيد تعزيز الثقافة الوطنية، وتعريف الأجيال الجديدة، بالراحلين الرموز، من زعماء البلاد، ومفكريها، ورجالاتها المرموقين، الذين أسهموا إيجاباً في الحياة العامة، وفي إغناء التراث الثقافي، وتعزيز الاستقلال الوطني. ففي مناسبة رحيل أي واحد من هؤلاء، تبادر وزارة الإعلام والبث التلفزيوني والإذاعي، بتزويد الصحف ووسائل الإعلام، بالمادة المختصرة، التي تنُشر على شكل إعلان ذي حروف كبيرة، مع صورتين، واحدة للوجه، أي شخصية ناطقة (بورتريه) منتقاة على طريقة أن "المرء مخبوء وراء عينيه"، والثانية عفوية تعبر عن مجال عمل الشخصية وحقل عطائها، سياسياً كان أم عالماً أم مفكراً أم أديباً أم فقيهاً زاهداً من أي دين..!
بالأمس، كان الاحتفاء بذكرى رحيل رئيس الوزراء الأسبق لال بهادور شاستري (11/1/1966) وجاء في التلخيص الذي يُراد للأجيال الجديدة ألا تنساه، أن شاستري "كان واحداً من أعظم الرجال الذين تركوا أثراً لا يمحى في حياتنا الجماعية. فإسهاماته على صعيد شؤوننا العامة، كانت فريدة في أنماطها وأقرب كثيراً، في تدفقها الإنساني، الى حياة المواطن الهندي البسيط. لذا فإن الهنود كانوا يرون في لال بهادور شاستري، واحداً منهم وإليهم، يشاركهم في قيم التواضع والمثابرة والزُهد، ويتشابه معهم في ذهنيتهم التلقائية، وفي طريقة التفكير، ويشاطرهم الأماني والطموحات، حتى أننا نحن الهنود، لم نرَ في إنجازات الرجل، مجرد علائم ونجاحات خاصة، تتعلق بشخص بعينه؛ بقدر ما رأيناها من خلاله، إنجازات تعكس السمات العامة للمجتمع الهندي..!
بعد هذا الاختزال الأدبي لمآثر الرجل الاجتماعية والاقتصادية؛ يكون التنويه الى الموقف الوطني في الحرب والسلم: "تحت قيادة شاستري، واجهت الهند وصدّتْ، الهجوم الباكستاني عليها في العام 1965. لم يكن ذلك مبعث اعتزاز له وللجيش الهندي وحسب، وإنما موضع فخر لكل مواطن من بلادنا. فقد قاتلنا وربحنا على النحو الذي يعزز احترامنا لأنفسنا، ويحقق لشعبنا الزهو الوطني العام. ومن خلال أداء قوة الدفاع الهندية، بمهارة تدعو الى الإعجاب، ظلت الأمة مدينة لحنكة وشجاعة شاستري، الذي سيظل الشعب يتذكره، في قادم الأيام، لخدماته العامة ولقلبه الكبير"..!
* * *
هذه هي خاطرة هندية، في سياق "تلميع الذاكرة" حسب الوصف الذي كان يردده الشهيد الزعيم ياسر عرفات. فعملية التلميع تقترن بمعانٍ نبيلة، من بينها الوفاء لمن أعطوا بنـزاهة وشرف وشجاعة، في مجال الخدمة العامة، وعدم إنكار أعمالهم الجليلة، لكي يتحاشى اللاحقون، الانزلاق الى السلوك الإقصائي، الذي يتعمد الحط من شأن السابقين، وتأثيم كل أعمالهم، ورفض الاعتراف لهم بأي فضل، أو بأي شىء حميد، حتى ولو كان موقفاً صلباً في الدفاع البلاد أو عن القضايا العادلة..!
منطق النكران والتجني الأعمى، يبعث على السخرية أحياناً، وبخاصة عندما يصدر بلسان ناطق حزبي يتلطى بالدين، في بلادنا المأزمومة التي يستبد بها قلقها. فهؤلاء ـ للأسف ـ يرون في التذكير بفضائل الوطنيين السابقين، لسعات كهرباء تهزهم، كأنها تخصم من رصيدهم أو تضع معياراً للخدمة والإيثار والزهد لا قدرة لهم على مجاراته، لذا تراهم يخترعون لخصومهم سوابق شائنة، فيتجنون عليهم، لأنهم لا يفهمون سنن التاريخ التي تقول إن اللاحقين يبنون على ما راكمه السابقون.
على هذا الأساس، كنا سنغضب ـ مثلاً ـ لو أن الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، حاول في أيامه، استرضاء اليهود المصريين، من خلال تذكيرهم بأن الرعب الذي أصابهم منذ منتصف الأربعينيات، ودفع الكثيرين منهم الى مغادرة البلاد منذ تلك الفترة؛ كان بسبب النشاط الميليشياوي لجماعة "الإخوان" حسب ما أكد العديد من المؤرخين والكتّاب، ومنهم عباس محمود العقاد، ثم بعد ذلك، بسبب بعض تفجيراتهم الحمقاء، التي استكملها "الموساد" الإسرائيلي في منتصف الخمسينيات، لكي يغادر كل اليهود الى فلسطين المحتلة. لم نكن سنقبل ذلك من جمال عبد الناصر رغم أن التاريخ يؤكد علة أن هذا قد حدث فعلاً. فالمقبول من جانبنا، هو الحديث عن دور الصهيوينة في تهجير اليهود العرب من أوطانهم، أما تحميل المسؤولية لقوة اجتماعية أو حزبية عربية، أو لحركة تحرر أو لزعامة وطنية بعينها؛ فهذا دليل إفلاس، لا يصح طرحه، ويُعد رياءً الغاية منه استرضاء قوى الاستكبار، حليفة الصهيونية، وهو تزييف فج لوقائع التاريخ.
لطالما دعونا "الإخوان" الى وقفة موضوعية مع النفس، لكي يتخلصوا من إرث صراعاتهم القديمة وأن يراجعوا أنفسهم، لا سيما وأن خياراتهم وأصدقائهم ومعسكرات تخندقهم، لم تكن نبيلة أو إسلامية أو طهرانية أو تحررية أو استقلالية، في مسلكها وفي جوهرها. إننا نخشى على هذه "الجماعة" في كل بلد، أن تنـزلق أكثر فأكثر الى اللامنطق، والى التجني من أجل التمكين والاستحواذ، فتأخذ أقطارها الى شرور التباغض الاجتماعي والصراع الذي لا تحمد عقباه. فما نتوخاه هو السلامة لها وللأوطان. ولعل الخطوة الأولى، على طريق الرُشد والصلاح في هذه الوجهة، هي الكف عن التصريحات الصادمة، والتفكير ملياً قبل النطق، لأن المرء مخبوء وراء لسانه. أما الإفصاح السياسي الكيدي، فهو الذي يصل بصاحبه الى موقف سيتعاطف فيه مع العدوان الثلاثي ضد جمال عبد الناصر، إن اضطر للتعليق على خطبة للزعيم الراحل، في الأزهر الشريف، دعا فيها الى القتال دفاعاً عن حياض الوطن وعن كرامة الأمة وحقوقها. فإن ظل المنطق على حاله، لا نستبعد ذلك، لأن بعض أصدقاء "الإخوان" في الخمسينيات، كانوا من بين الذين ظلوا على اتصال بالسفارة البريطانية، في انتظار أن يسلم عبد الناصر نفسه للسفير البريطاني، ويسلم البلاد وقناة السويس والاستقلال الوطني..!
فهل من صحوة وجدانية، تلتمس قيم الوفاء والعرفان، لمن أفنوا أعمارهم في سبيل أمتهم وقضاياها، على طريقة الهنود وغيرهم، فنقرأ في صحيفة "إخوانية" عن جمال عبد الناصر بعض ما يقوله الهنود في ذكرى زعيم هندي راحل، أم إننا سنظل رهن تعقيدات الكراهية وجنون النكران؟!