لا تحتمل هذه المساحة، مناقشة النقاط المتعلقة بواجباتٍ وخطوات، كان يتعين على حكومة سلام فياض أن تؤديها وأن تقوم بها، لكي نتحاشى الوصول الى ما يصفه فياض نفسه، الآن، بحال الإفلاس والتحلل الاقتصادي. فقد تدفق الرجل بأحاديث صحفية، في هذا السياق المحبط، وهو الذي كان يبشر قبل أشهر، بالعافية المؤسساتية، وبجاهزية الدولة وقرب الاكتفاء. لقد تحدث الرجل، عن محاولاته خفض عجز الموازنة وتطوير المنظومة الضريبية، وركز على تقصير العرب في توفير شبكة الأمان المالي للسلطة الفلسطينية، وهذا تركيز في محله.
فالمحنة الفلسطينية على الصعيد الاقتصادي، هي ـ بالفعل ـ انعكاس لحال انكشاف استراتيجي خطر، لفلسطين، من حيث ينبغي أن تكون مغطاة أو مسنودة، من محيطها العربي، كما في أكثر التمنيات تواضعاً. فمقابل تقدمنا السياسي على الحلبة الدولية، بالمقارنة مع التراجع الإسرائيلي؛ هناك محاولات لإحباط مفاعيل التميّز السياسي الفلسطيني على الأرض، والحيلولة دون ترجمته في سياق عملية صمود شعبي وتنمية، واجتراح بدائل وصيغ خلاّقة، لتخفيض مستوى الحاجة الى الآخرين والارتهان لهم..!
لكن المحاولات التي تحدث عنها د. فياض، لتخفيض عجز الموازنة، والتوسع الضريبي، وتخفيض الإنفاق أو ترشيده؛ لم تكن معمقة ولا شاملة ولم تحقق نجاحاً، لأن الأمر كان يتطلب إصلاحاً شاملاً وخوضاً أعمق وأدق في الواقع الاقتصادي، بمنظومة ضريبية رصينة، مترافقة مع منظومة ضبط للسوق في كل القطاعات، وخطط تطويرية استثمارية فعالة، يخصص لها جزء معتبر من الموارد المالية، على قاعدة إعادة النظر في توزيع هذه الموارد .
صحيح إن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من تشوه هيكلي قبل د. سلام فياض واستمر بعده؛ غير أن الصحيح كذلك، هو أن د. فياض كان بوسعه أن يفعل الكثير، حتى مع وجود العوائق الاحتلالية. وللأسف جاء الترفق الحكومي مع القطاع الخاص، بشفاعة الاستدانة منه وكونه الدائن والموّرد المحلي للحكومة؛ بنتائج عكسية، إذ بدل التعاطي معه كطرف ينبغي زيادة الدخل الضريبي منه، فيما هو يحقق أرباحاً معتبرة، أصبح هذا القطاع هو الذي يصنف الحكومة بأنها زبون سيىء، حسب ما أشار د. نبيل قسيس وزير المالية، في حديث مطول الى فصلية "سياسات" الصادرة عن "معهد السياسات العامة" في عددها الأخير. فلدينا قطاعات أعمال تنمو بسرعة، كالعقارات. فإن قورنت الجباية الضريبية من هذا القطاع، بمثيلتها في الأردن على سبيل المثال؛ يتبدى جلياً بؤس النظام الضريبي الفلسطيني. بل إن هناك أنشطة خدمات ذات مضامين ربحية عالية، تنشط فيما يسمى بلد الفردوس الضريبي. وظلت النفقات التطويرة منخفضة وتعكس فشلاً في رفع مستوى البنية التحتية، وبخاصة في الريف الذي يتعرض في هذه الأثناء لفيض مياه الأمطار والى انهيار البنى التحتية. ولم يجر تطوير قطاعات انتاجية، كانت مزدهرة أيام الاحتلال وقبل اتفاقات "أوسلو" كالقطاع الزراعي الذي لا يحظى الآن بأكثر من 1% من موازنة السلطة. فمن شأن دعم القطاع الزراعي أن يعزز الانتاج الوطني وأن يخلق فرص عمل تساعد على صمود المزارعين في أرضهم، ولدينا خبرات يمكنها المساعدة في تطوير القطاع الزراعي ودعم الوحدات الزراعية المدمجة، واستخدام تقنيات زراعية محلية متاحة، يمكن استغلالها.
* * *
الشكوى من التقصير العربي عن توفير شبكة الأمان المالية، تقوم على أساس وجوب بدء تنفيذ القررات العربية التي أكدت على هكذا مساعدة في حال حوصرت السلطة مالياً. وعلى الرغم من ضرورة الإلحاح على الوفاء بالوعود وتنفيذ القرارات؛ فإن علينا أن نراقب التطورات في العالم العربي وان نقرأ المزاج العام في الدول العربية البترولية الذي يتسم بجفاء واضح، حتى في مسائل لها رمزيتها. فهناك على سبيل المثال، شركة "طيران الخليج" التي هي واحدة من أقدم الناقلات الجوية العربية ولها رمزيتها وتاريخها، إذ تأسست في العام 1950. كانت الناقلة الوطنية لأربع دول خليجية، وغطت زمناً كانت له ذكرياته الحميمة على المستوى الشعبي في اقطار الخليج العربية، وما تزال تحمل اسم الخليج، في الموضع الأقرب للتنين الإيراني. لقد باتت هذه الشركة الناقلة الوطنية لمملكة البحرين وحدها، بعد انسحاب الدول الأخرى. والشركة تواجه محنة دون أن يغيثها شقيق أو يفتح أمامها سبل النهوض من عثرتها. وحين يقرأ واحدنا بيانات نقابة موظفي الشركة من أبناء البحرين، الذين تطالبهم الشركة بالانخراط في برنامج للتقاعد الاختياري، وإلا فَرَضَت عليهم التقاعد القسري؛ يرثي لحال التعاون بين الأشقاء، ويأسف ويتوقع الأسوأ في عالم التساند العربي والإغاثة بشكل عام. فالمطلوب من الموظفين الأربعة الآف، العاملين في "طيران الخليج" أن يصبحوا ألفين لا أكثر. وعلى المتطوع بالانصراف، أن يتقاضى أجر عمل يوم عمل واحد، عن كل شهر أمضاه في الخدمة، حتى ولو خدم ثلاثين سنة. أي ستكون مستحقاته 12 يوماً عن كل سنة في الخدمة. إن من يقرأ أسباب تعثر مؤسسة عربية خليجية، وجفاء التعامل وضآلة التعويض، لموظفي مؤسسة لها دلالتها الرمزية، في منطقة ذات وفرة مالية، ويقرأ السبل المعروضة للمعالجة، ويتأمل صرخات العاملين؛ فإنه يتشاءم من المستقبل، ويتمنى لو أننا "نعمل حسابنا" بأن الجفاء سوف يستشري أكثر فأكثر، وأن لا مناص من الاعتماد على الذات، وأن لا مناص من مواجهة حال التشوه الهيكلي لبنية السلطة بشجاعة، والتصدى لوجوه الإنفاق الخاطئة، وأن يكون لدينا حكومة تفهم معنى التطوير ورفع الانتاج ومعنى الإصلاح الضريبي، وتعرف كيف تخفض النفقات، وترفع مستوى الأداء الاقتصادي، وتراجع ملفات العاملين، بحيث تُعيد كل الإحداثيات والمسميات الوظيفية، الى ما يتناسب مع السن والتأهيل وسنوات الخدمة الفعلية، لكي ينخفض العدد المهول من الوكلاء والمدراء العامين وكذلك عدد الألوية والعمداء الذين بلغوا نحو نصف عدد أندادهم في جيوش الولايات المتحدة، براً وبحراً وجواً. ولم يعد مقبولاً، الاستمرار في اختزال النسب والأرقام، المتعلقة بحجم الإنفاق في غزة، كلما اقتضى الأمر عرض مظاهر الضائقة المالية. فقد تكرر استخدام الرقم العالي وظل الشارحون يتداولونه، للتغطية على إقصاء غزة على صعيد التوظيف والنفقات الأخرى، علماً بأن رقم النسبة العالية المتداولة، كان جوابنا الاضطراري، على محاولات بعض العرب، وفي طليعتهم رئيس وزراء قطر، صاحب الوصف الصادم لولاة الأمور بأنهم "نعاج" الذي أصر في مؤتمر باريس لدعم السلطة، في منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2007 على أنت يخصم المانحون من مبالغ دعم موازنة السلطة، جزءاً معتبراً بذريعة أنها لم تعد تحكم غزة وتصرف عليها، بعد أن فصلتها جحافل "الإخوان" الضاربة. آنذاك، كان ضرورياً أن نقول بأننا ندعم غزة بمقدار يزيد عن نصف الموازنة، وساعد على ذلك أن معظم من دخلوا الى الوطن، في بدايات تطبيق "أوسلو" سُجلوا في غزة، فحُسبت رواتبهم عليها. فلم يعد مقبولاً تكرار هذا الشرح، كلما أحس طرف بالعجز، أو شعر آخر بالحاجة الى التغطية على سياسات فاشلة، أو على نعرات وتمييز مناطقي. فالطريق القويم، يقتضي العدالة، وحُسن الخطط وتوزيع أفضل للموارد، واستثمارات تطويرية وانتاجية، ونظام ضرائبي رصين، وتعديلات فيما تبقى من التشوه الهيكلي للسلطة، ومواجهة جريئة للنـزف المالي والتزيد في بعض النفقات، والإقلاع تماماً عن الأسلوب الذي اتبعته رئاسة الحكومة وأحياناً رئاسة السلطة، وهو إبرام عقود العمل العالية خارج معدلات أجور العاملين في الجهاز الحكومي والخدمة العامة، لمستشارين ورؤساء مجالس إدارية وصناديق وغير ذلك. فهذا كله وسواه مما يعرفه المختصون، أجدى وأقصر طريقاً..!