2013-01-09

هيغل وتحرر أمريكا..!!


بقلم: د. فوزي الأسمر

القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بتعيين عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السابق، تشاك هيغل (66 عاما، جمهوري عن ولاية نابرسكا) وزيرا للدفاع بدلا من ليون بانيتا (يوم 7/1/2013)، أثار ردود فعل كثيرة لدى أصدقاء إسرائيل في الكونغرس وخارجه، ولدى المنظمات اليهودية الأمريكية.

هناك سببين رئيسيين لهذه الضجة. الأول موقفه من إسرائيل والثاني معارضته أن تدخل أمريكا في صراع مسلح مع إيران حيث يرى هيغل أنه لا تزال هناك فرصة للعمل الدبلوماسي، وإمكانية الخروج منها بدون صراع مسلح.

وتاريخ هيغل في مجلس الشيوخ، يشير إلى مدى دعمه لإسرائيل. ففي أعقاب الحملة ضده من جانب أصدقاء إسرائيل، والمنادون بحل عسكري للأزمة النووية الإيرانية، قام البيت الأبيض بفحص دقيق للمواقف التي اتخذها هيغل أثناء وجوده في الكونغرس وكيف صوت بالنسبة لموضوعي إسرائيل وإيران، ووصل إلى نتيجة أن هيغل صوت لصالح إسرائيل بكل ما يتعلق بالتعاون الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أنه صوت إلى جانب فرض عقوبات دولية على إيران (صحيفة "يدعوت أحرونوت" 8/1/2013 وموقع "بي. بي. سي" بالإنكليزية (7/1/2013).

ويبدو أن موقفه هذا جاء تمشيا مع الإستراتيجية الأمريكية بشكل عام، ولكن لم يمنعه من إتخاذ مواقف يراها تتعارض مع مواقفه ومصالح أمريكا. فقد أعرب في أكثر من مناسبة أنه يجب إعادة النظر في المساعدات  المالية الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل على حساب المساعدات التي تقدمها لدول عربية. (صحيفة "يسرائيل هيوم" 8/1/2013).

ومسألة المساعدات لإسرائيل وغيرها من الدول، تدور في خلد الكثيرين من الأمريكيين خصوصا بسبب الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة الآن. وقد كان آخر هذه التصريحات، ما صرح به عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، راند بول، أثناء زيارته الأولى لإسرائيل، قال في لقاء مع الصحفيين في مدينة القدس (5/1/2013): "إن بلادي لا يمكنها الإستمرار بتقديم المساعدات المالية غير المحدودة، بما في ذلك لحلفائها من الدول ومن ضمنها إسرائيل.. سيكون من الصعب علينا الحفاظ على صداقتنا لإسرائيل وصناديقنا خاوية فارغة" (وكالة أنباء أسوشيتدبرس 6/1/20913).

كما إنتقد هيغل بشدة الضغوط التي تضعها منظمة "إيباك" الصهيونية والتي تعمل كقوة ضغط إسرائيلية على أعضاء الكونغرس الأمريكي وسماها "اللوبي اليهودي" مما أثار حساسية كبيرة وأعتبر البعض أن هذا موقف "لا سامي". (يسرائيل هيوم 8/1/2013).  وقال البعض ان ما يدفع هيغل إلى تبني هذه الآراء هو تحفظه الشديد من قيام إسرائيل واللوبي الإسرائيلي الأمريكي بإملاء سياسة البيت الأبيض (يدعوت أحرونوت 8/1/2013).
وكان لهيغل موقفا صريحا آخرا، حيت جاء في كتابه "أمريكا فصلنا القادم" والذي صدر عام 2008 (America :Our Next  Chapter) قوله: "إنني لست عضو في مجلس الشيوخ الإسرائيلي، إنني عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي. إنني أدعم إسرائيل ولكن إهتمامي الأول أمريكا، فقد أقسمت يمين الولاء لدستور الولايات المتحدة الأمريكية، ليس للرئيس، ولا للحزب ولا لإسرائيل، فلو قررت ترشيح نفسي في إسرائيل لفعلت نفس الشيء".
والإعتقاد السائد في واشنطن أن احد الأسباب الرئيسية في إختيار أوباما لهيغل، يعود لأسباب إقتصادية محضة وليس بسبب تعثر مسيرة السلام في منطقة الشرق الأوسط. فقد وصلت الميزانية العسكرية الأمريكية إلى حوالي 700 مليار دولار، وهذا الرقم يشير إلى أنه زاد مائة بالمائة خلال العشر سنوات الأخيرة. السبب الرئيسي لهذه الزيادة هو الحروب التي تخوضها أمريكا في العراق وفي أفغانستان والمصاريف الأمنية الأخرى. وحسبما تقول وكالة أنباء رويترز (7/1/2013)  فإن هيغل يدعوا إلى الإنسحاب الكامل من أفغانستان، وهو موقف يتماشى مع موقف الرئيس أوباما.

المعارضة الصهيونية لإختيار تشاك هيغل، وضع إسرائيل مرة ثانية على المنبر الشعبي الأمريكي، الذي أخذ يرى بوضوح التدخل الإسرائيلي في السياسة الداخلية الأمريكية وبسبب هذا التدخل، تدور رحى حرب كلامية وحرب شعارات بين الحزبين الكبيرين في أمريكا، في الوقت الذي يحاول فيه الرئيس أوباما السيطرة على الأمور عن طريق إيجاد تعاون بين الحزبين، للخروج من الأزمة الإقتصادية التي تمر بها البلاد. واختيار هيغل الجمهوري في هذا المنصب الحساس، يعتبره الكثيرون خطوة في هذا الإتجاه.

وضمن المحاولات الصهيونية لإمتصاص التململ الشعبي الأمريكي، بدأت تظهر بعض التحليلات في وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما صرح به أهارون ديفيد ميلير، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وعمل لفترة طويلة مستشارا في وزارة الخارجية الأمريكية. قال ميلير: "إن اختيار هيغيل من جانب الرئيس أوباما، جاء بسبب العلاقات المتدهورة بينه وبين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو".

ويضيف ميلير أن جزءا من الهجوم على هيغل كون أنه يحمل بعض الآراء التي يحملها الرئيس باراك أوباما المتعلقة ليس فقط بالشرق الأوسط بل أيضا بالحرب الدائرة في أفغانستان، والميزانية الأمنية، والموقف من النووي الإيراني وغيرها. (هآرتس 8/1/2013)

طبعا الكلام فيه بعض التضليل. فقوله أن اختيار هيغل جاء بسبب العلاقات المتدهورة مع نتنياهو، معناه أن الرئيس الأمريكي يضع تحدياته الشخصية فوق التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والشعب الأمريكي، وهو أمر في غاية الغباء.

إضافة إلى أن هيغل سيعمل ضمن السياسة التي ترسمها الإدارة الأمريكية، والتي تعتمد على الإستراتيجية الأمريكية في العالم، وإسرائيل هي جزء من هذه الإستراتيجية. لقد حان الوقت لأن تتحرر أمريكا من الكابوس الصهيوني، وتدير شؤونها حسب مصالحها خصوصا الداخلية منها.

* كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في واشنطن. - FAsmar1@aol.com