2013-01-08

العليا الإسرائيلية ضد الأسرى: شرعنة للظلم وتغذية للصراع


بقلم: زهير حمدالله زيد

الحركة الأسيرة الفلسطينية شكلت عبر تاريخ فعلها الطويل، وعي وإرث نضالي يستحق أن يُدرس ويُعلم، ليس فقط فلسطينياً بل عالمياً، لأنها تجربة نضالية فريدة، أثبتت نفسها وشاركت في صياغة مراحل النضال وإستراتيجياتها، فالسجون الإسرائيلية التي أُعِدت بكل ما يوجب تحويلها لقبور أحياء، تحولت بفعل نضال الأسرى، وبثمن آلام ومعاناة لا يمكن لعاقل تصورها وتقدير حجمها غير من عاشها، إلى بيوت علم قتلت الجهل وبنت كوادر علم ومعرفة، إستنهضت روح الحياة والأمل لدى ساكنيها، فأصبحوا رجال مواجهة وتحدي، بدل أن يصيروا هياكل خانعة مفرغة، تأكل لتعيش، هذا إن توفر أصلاً الأكل.. لم يقف الأمر عند هذا الحد، خاصة وأن هذه الطاقات الصادقه والمخلصة، خاضت غمار النضال بأشكاله كطليعة حتى بلغت الإعتقال، وإستطاعت أن تحافظ على طليعيتها، فعَلَّمت وتَعَلَّمَت من قيم وتعاليم ثورتنا وغيرها من ثورات العالم، وقادة بشموخ وتواصل النضال في السجون وخارج السجون، فأضحت تؤرق السجان.

رد الهجوم بالهجوم، إحدى مبادىء الفعل التي مارسها الأسرى في الرد على الإعتداءات وفرض الحقوق، من يعتدي على أسير من السجانين، يُرد عليه الصاع صاعين، ومن يَشتُم يُشتَم، السن بالسن، والعين بالعين، والبادىء أظلم، فالأسرى أسياد المعارك، وهم وحدهم القادرون على تحديد زمانها ومكانها وشكلها، لديهم كل الوقت، أما السجان فهو مرتبط بوظيفة، له بيت وأهل وإلتزامات حددها برنامج يومه، وعلى أساس إجازاته يرسم تحقيق بعض متطلبات حياته, الأسرى يستطيعون التأثير وبقوة على كل هذا النمط الحياتي الخاص بالسجان، والذي يتجاوز ذلك أحياناً، ليطال حتى مؤسسة مصلحة السجون ووزارة الشرطة المسؤولة مباشرة عنها، حتى أن الأمر يصل لمستوى التأثير على أعلى المستويات السياسية في إسرائيل، ويقود إلى إجبارها على الإنشغال بالسجون وحالها، وما تؤثر عليه خاصة التطورات الأمنية في الشارع، كما حدث بعد خوض الأسرى للكثير من الإضرابات المفتوحة عن الطعام في الكثير من الأوقات.

الهدوء كلمة السر، هي مطلب السجان أولاً، وهو المعني بها، فبقدر ما يعطي حقوق، يستطيع أن يشعر بالهدوء، لكن ليس كما يتمنى ويرغب، بالضبط وفق الجرعة التي يحددها الأسرى، هكذا كانت الحياة في السجون، وهكذا يجب أن تكون، خاصة وأن الهدف من وجودها وزج الأسرى بها لم يتغير ولن يتغير، والصراع في هذا الإتجاه سيبقى ما بقي الإحتلال والمحتلين بهذه العقلية.. المعنى أن حقوق الأسرى لا تُستجدى إستجداء، هذا ما يجب أن يدركه الأسرى أنفسهم وقبل غيرهم، فحق التعليم في الجامعات، سبقه الحق في الحيازة على القلم والورقة، هذا غير الحق في الدواء، والماء والغذاء وحتى الهواء، أيضاً الحق في الكساء والغطاء ومكان النوم وفراشه، لا شيء في السجون حققه الأسرى دون نضال ودفع ثمن وبمعارك قاسية ومؤلمه، ولم يسبق أن إلتزم عدونا بعهد أو وعد مع الأسرى وحقوقهم، والحالة كانت دائماً بين مد وجز، إن إسترخى الأسرى رغبة في الهدوء، شدد السجان من قيوده، وهجم لسحب منجزات وحقوق، لهذا فإن حالة التنبه واليقظة، ملازمة للأسرى دائماً.
  
المحكمة العليا الإسرائيلية، جهاز تشريع الظلم وقلب الحقائق، لم يسبق أن نصرت أو شرعنت شيء من كل الحقوق التي سبق وأن أشرنا إليها، وهي أبداً لا تُعنى بشأن الأسرى الأمنيين، ولا بطبيعة حياتهم وظروف إعتقالهم، فهي تهتم فقط بما يتلاءم مع سياسة ساسة الدولة وحكامها، وقد مر على تعليم الأسرى وفي كل المستويات وآخرها الجامعة سنوات طوال، لم تتدخل هذه المحكمة ولم تقل شيء، ليس لأنه لم يطلب منها، بل لأن ثمن المنع وحرمان الأسرى كان في غير صالح دولتها وحاجتها خاصة الأمنية، وما تناوله الكاتب د. أوفير مينتش- منور، في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 4/1/2013، بخصوص مادة إبادة شعب (الجنوسيد)، يذكرني بما حدث حين حضر إلى سجن عسقلان، أعضاء الخارجية والأمن من الكنيست الإسرائيلي، في عام 1999 وكان من بينهم يوسي سريد، عوزي لنداو، بني بيغن وآخرين من حزب العمل، دخل عدد منهم إلى غرفتنا في قسم 11، وأبى بني بيغن إلا أن يقف على باب الغرفة مستنداً على الحائط، يسمع ولا يجادل، حيث كان النقاش مع سريد، حول ضرورة إطلاق سراح كل الأسرى، ورده كان بالغالبية فقط، حينها قلت له أنت من صنف الأسرى، بأصحاب الأيادي الملطخة بالدم وغير الملطخة، ونفى ذلك، حينها نظر فوجد بين يدي كتاب جامعة إسرائيل المفتوحة، وكان ذلك خلال فصل دراستي الأخير، الكتاب كان بعنوان "الأمن والديمقراطية في إسرائيل"، وسألني أي المواد الأخرى تدرس، أجبته: "الحرب والإستراتيجية" ومادة أخرى إسمها "قضايا مختارة في السياسة الخارجية الإسرائيلية"، حينها نادى على بني بيغن وقال له إنظر ماذا يدرس؟ بعد ما يقارب العام منعوا هذه المواد من أن يدرسها الأسرى الأمنيون، والسبب الدواعي الأمنية، كونها مواد يمكن لدارسها فهم تفاصيل الحياة السياسية والأمنية الإسرائيلية.

بني بيغن وساريد وعوزي لنداو، لا يعرفون أن أعداد من الأسرى درست وتأهلت، وهي تقوم الآن بواجبها المناط بها في بناء الدولة الفلسطينية، وهي ليست عالة بل فاعلة وعاملة ومنتجة، تنافس بعلمها ومقدرتها على المواقع، ولو لم يكونوا هكذا لكانت أمامهم خيارات أخرى، قد يُرعِب مجرد ذكرها هؤلاء، فالأصل إن كانوا يريدون السلام، أن يدفعوا وبقوة الأسرى ليدرسوا وليتأهلوا، حتى يستطيعوا الإندماج بإيجابية في مجتمعهم، لكن على ما يبدو أن ساسة إسرائيل ما زالوا يراهنون على قدرتها إخضاع هذا الشعب وطليعته المناضلة، الحركة الأسيرة، لذلك الأجدر بالأسرى أولاً وبالشعب الفلسطيني من خلفه، الإصطفاف في خندق واحد، لمواجهة هذة السياسة وفق آليات ومفاهيم الماضي القريب، فلا يجوز ترك الأسرى وحدهم في أي معركة مهما كانت، وليت الغشماء يدركون أن تعليم الأسرى ونجاحهم، أكثر ما يغيظ إسرائيل وقيادتها الفاشية والعنصرية.

* أسير محرر ومستشار أول في سفارة فلسطين بالهند. - zuhairthth@gmail.com