2013-01-08

حل السلطة الوطنية الفلسطينية فزاعة تقادمت..!!


بقلم: زياد ابوشاويش

سمعنا مجددا تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس حول إمكانية حل السلطة الوطنية الناتجة من اتفاق أوسلو المشؤوم وإنهاء دور المقاطعة ورام الله كعاصمة للدولة الحلم وفهمنا منها أن الرجل يهدد الكيان الصهيوني بإعادة تحميله مسؤولية إدارة شؤون المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية بسبب تعنت رئيس وزراء العدو نتنياهو في موضوع الاستيطان وعدم مبادرة أي طرف ممن يمولون سلطة أوسلو لكبح جماح هذه المسألة وإيقاف عمليات الاستيطان الجارية على قدم وساق في الضفة المحتلة، وتقزيم فرص الحل القائم على نظرية وجود دولتين واحدة للفلسطينيين فيما تبقى من أرض في الضفة والأخرى كل فلسطين كدولة يهودية تعترف بها كل المنطقة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني. هؤلاء الذين تكفلوا برعاية الحل السلمي وتشجيعه بغطاء مالي وتنموي يمنح التسوية المجحفة بحق الفلسطينيين بعض المميزات التي تمنح من رضي بها ووقع أوراقها بعض المشروعية في القول أن ما تم أحدث تغييراً إيجابياً في حياة الفلسطينيين ومنحهم أملاً في تحقيق بعض أحلامهم باستثناء حق العودة وممارسته عملياً.

إن تهديد عباس بحل السلطة الفلسطينية وتحويل المسؤولية لدولة الاحتلال بعد عشرين عاماً على اتفاق أوسلو وأكثر منها على مؤتمر مدريد وما تلاه من مؤتمرات في أمريكا والقاهرة وغيرهما من أجل تمرير الحل وجسر الخلاف بين القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية وقادة العدو الإسرائيلي ومواقفهم المتشددة، إن هذا التهديد يمثل في نظري دليلاً مهماً على إنغلاق آفاق الحل السلمي للقضية الفلسطينية وعودة المسألة برمتها للمربع الأول (أقله نظرياً).

وبالإضافة لما تقدم فإن التهديد بالحل يشكل نموذجاً للفشل والخيبة التي لم يعترف بها السيد عباس حتى اللحظة لكل سياسته المرنة والمهادنة لعدو لا يحترم أساساً سوى لغة القوة ولا يتعامل بالعواطف بل بميزان القوة ويستثمره بشكل ممتاز.

إن تجربة الرئيس الفلسطيني كان يجب أن تسعفه ليفكر ملياً قبل أن يعلن عن تهديداته الجديدة فبالإضافة لكونها تكررت وباتت غير ذات جدوى فإن الزمن الذي يمكن أن تثير فيه مثل هذه التهديدات أثراً إيجابياً يمكن استثماره قد ولى وانتهى إلى غير رجعة، وما عاد العدو وحلفاؤه يثقون في قدرة عباس أو أي رئيس للسلطة على تنفيذ مثل هذا التهديد لأسباب عديدة ليس أهمها قصة الراتب ومعاش الناس الذين تعودوا على نمط معيشي لا يمكن تغييره أو إنزال مستواه حتى لو كان الهدف ينطوي على بعد استراتيجي وطني أو حتى يمس كرامة المواطن الفلسطيني مباشرة، فحين تقبل السلطة وقيادتها سلوكاً صهيونياً مما نراه كل يوم ويمارس في كل مكان بالضفة قتلاً وتشريداً واعتقالاً وإهانة على الحواجز وغيرها، قلنا حين تقبل السلطة بهذا فلا يمكنك الآن أن تستعيد ذات الشعور الذي تم إهداره على مدار عشرين سنة.

هناك من يعتقد أن حل السلطة ربما يعيدنا للحالة الثورية التي أنهتها قيادة منظمة التحرير وعملت على وئدها منذ زمن بعيد عبر سياسات أمنية عملت في خدمة الأمن الإسرائيلي وحماية كيان دولة الاحتلال ونجحت في ضرب كافة مقومات الثورة والمقاومة المسلحة في مناطق نفوذها وتواجدها، وهناك من يظن أن التهديد بحل السلطة أو حتى حلها فعلياً سيربك العدو الصهيوني وسلطات احتلاله، وآخرون يؤمنون أن حل السلطة يمثل عملاً ثورياً يمهد لعودة الكفاح المسلح أو الانتفاضة الثالثة في الداخل...كل هؤلاء الذين ذكرناهم ويجدون في حل السلطة الوطنية عملاً إيجابياً يخدم الثورة مخطئون ولم ينتبهوا للحالة المزرية التي نعيشها في ظل دولتي الضفة وغزة كما الحالة المخزية لواقعنا الثوري واضمحلال النفس الصدامي الضروري للمواجهة مع تنفيس حالة الغضب والاحتقان على مدار عمر السلطة وأجهزتها الأمنية التي تنسق مع الاحتلال وتقدم الخدمات للعدو تحت عناوين وذرائع متنوعة.

إن حل السلطة لن يخدم أي هدف وطني فلسطيني ذلك أن هذا الإجراء كان يجب أن نمهد له بمبادرات وترتيبات متعددة المستويات وعلى مختلف الصعد تضع سلطات الاحتلال مباشرة أمام تعقيدات ومهمات غير تقليدية تسمح لنا بإحداث تغيير نوعي في ميزان القوة والبدء بالمواجهة المتدرجة نحو عودة حرب التحرير الشعبية التي طالما تغنينا بها واعتبرناها الأسلوب الوحيد لاستعادة حقوقنا كاملة.

اليوم لا يستطيع المرء أن يجازف بتصور ربما يكون فارغاً من المحتوى إن لم يدقق ويمحص كل شيء في واقعنا ربطاً بكافة مجريات الحدث الفلسطيني منذ وقع عرفات اتفاق أوسلو وأخل بشكل عميق بمرتكزات المشروع الوطني ووضعه في مهب الريح دون أية ضمانات.

اليوم نحن نخسر من تهديدات السيد عباس بحل السلطة ونخلق حالة من الارباك لدينا وليس لدى العدو، ذلك أننا لم نخطط لهذه الخطوة ولم نضع لها السيناريو الملائم أو البدائل التي تحفظ الكيانية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بينما يضع العدو منذ وقع الاتفاق احتمال حل السلطة في الاعتبار واتخذ كافة الإجراءات لمواجهته.. وماذا بعد؟ هل يمكن التفكير بشكل جدي في حل السلطة الوطنية لتحقيق أهداف ذات أبعاد استراتيجية ولضرورات تفرضها مصلحة الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه؟ الجواب نعم بكل تأكيد، ولكن ليس بالطريقة التي يمارسها السيد محمود عباس.. وللحديث بقية.

* كاتب فلسطيني يقيم في دمشق. - Zead51@hotmail.com