يبدو اننا نعيش في منطقة اخرى من العالم، او اننا نعيش هنا وتحكمنا حكومة من هناك، او حكومة من هنا تحكم هناك، او هناك ولا تحكم هنا ولا هناك، او لا فرق بين هناك وهنا، وهناك وهنا ولا هنا..، او اننا نسبح في بحر من التهيئات والاحلام ونعتقد اننا هناك رغم اننا هناك، واننا شباعين ونجزم بالجوع، واوضاغنا الاقتصادية جيدة والصحة عال، وحتى اولادنا سئموا من المدارس الخاصة ودروس التقوية بالبيت والالتحاق الفوري بالجامعات، ولا يوجد اي فترة راحة لقضاء "الويكند هنا او هناك"، وفور التخرج يجدون فرص عمل، وان اضراب الموظفين والعاملين في الوظيقة العمومية، هو من باب كسر الروتين وقتل الملل والفراع، وحتى اضراب الاطباء و العاملين في الخدمات الصحية لان الاوضاع الصحية ممتازة، ولا يوجد امراض وانفلونزا ولا خنازير، والاهم والشيء المثلج للصدر لا يوجد مواطن فقير مضطر للعلاج الحكومي.. المجاني...!! والحمد لله كل شيء تمام بس المواطن "غنوج" شوية، وعلى راي مغنى مصري شعبي "انا مش انا"..؟!
وفعلا انا مش انا|، والحكومة مش الحكومة.. فازمة الرواتب والناجمة عن ازمة مالية تزداد استفحالا وتغولا جارة معها اثار سلبية تضرب العديد من الاسس المؤسساتية والبنائية في المجتمع الفلسطيني، دون ان نرى، او نلمس متابعة، او معالجة جدية، او حتى تصريحات ذات جدوى ونفع او تشعرك على الاقل ان الجهات ذات العلاقة على قدر من الجدية لمعالجة ازمة ليست طارئة، وفي المدى المنظور لا يوجد لها حل سحري، باستثناء حلول ترقيعية وترحيلية او تراكمية للشهر التالي او الذي يلي يليه.
وكل التصريحات هي تشخيص ووصف للواقع دون ان يقدم اي منها اي بصيص أمل او يرسم خطا عريضا للحل او اشراك الناس بالحل، وما يجعلك تضحك ملىء فيك، بل وتدمع عيناك من شدة الضحك، اذا وصلت تحويلة مالية من هنا او هناك، او توفر الراتب يتسابق من له علاقة ومن ليس له علاقة ويشعرك كل واحد منهم انه باع مصاغا زوجه الخاص، ليؤمن الراتب بما فيهم وزراء ومدراء ووكلاء امناء فصائل وعلى راي ختايرة البلد "الكبير والزغير والقمط بالسرير"
واكاد اجزم ان الشعب الفلسطيني بما فيهم المقمط بالسرير يعرف اننا لسنا دولة نفطية وان مورادنا المالية محدودة وان الاحتلال الاسرائيلي وممارساته ليست وليدة اللحظة او غير متوقعة وان الضغوط الاقتصادية للحصول احيانا على اثمان سياسية متوقعة، وعدم التزام هذه الدولة او تلك بتقديم دعم او منحة مالية متوقع وفي المعنى المجرد ليس "لنا ضربة لازم عليها".
ولكن بصراحة ووضوح شديد لم يكن تعامل الحكومة الفلسطينية بما يناسب فداحة وحجم المشكلة وخطابها الاعلامي لعلاج المشكلة كان ضبابيا..!!
وليسمح لي دولة رئيس الوزراء د. سلام فياض والحكومة الفلسطينية كمواطن ان ابدي بعض التساؤلات التي لو اجيب على بعضها لتركت انطباعا ان الاهتمام جدي والحل قادم حتى لو لم تحل المسألة..
ومع كتابة هذا المقال يكون الموظفون استحقوا راتب شهر ونصف الشهر دون ان يسمعوا تصريحا جادا عن موعد صرف ولو جزء من الراتب، او خطوات الحكومة لحل المعضلة سوى بعض التصريحات من البعض اقرب للنعيق أن "الازمة ما زالت قائمة" و"لا يوجد موعد لصرف الراتب"..!!
لماذا لم تشكل او تشرك الحكومة الفلسطينية الاكاديميين من المجتمع المدني وبعض الفصائل منذ فترة واطلاعهم على حجم المشكلة ووضع التصورات والحلول والبدائل لكل سيناريو متوقع في حال الضغط الدولي.. في حال سطو الاحتلال الاسرائيلي على العائدات المالية للسلطة وهي متوقعة في اي لحطة، وعادة المواطن في العالم الثالث يثق بالمعارضة او من هو خارج السلطة (حتى لو كان غير صادق اكثر من التصريح الرسمي حتى ولو كان صادقا ومغايرا) بمعنى آخر لو اللجنة المدنية والاقتصاديين المشاركين باللجنة اقروا بوجود ازمة وعجز لتقبله المواطن..!!
وما هي اجراءات الحكومة الفعلية مع البنوك ومع الكهرباء والمياه في حال تأخر الراوتب كما هو الحال ام تقول للمواطن "اذهب انت وربك فقاتلا" فغرامة التاخير والفوائد على القروض متواصلة وحتى غرامة التاخير على فاتورة الكهرباء واقساط الجامعات و.. لا تعذر احد، والحكومة لا تملك شيئا من مفاتيح الحل سوى الطلب الودي وغير الملزم لاحد في مراعاة الظروف.
تصريحات وتقارير وزارة المالية السابقة ان ما يقارب 60-70-% من الدخل يأتي عن طريق الجمارك والضرائب وطرق الجباية الرسمية وقلنا في مقالات سابقة لماذا لا تلتزم الحكومة على الاقل بـ50% من الراتب بشكل محدد وموعد ثابت والباقي مرتبط بالسياسة والحصار والضغط.
لم نرى خطط تقشف جادة وواضحة وبدائل تتناسب مع ما نعانيه من قبل الحكومة ومواكبة اعلام حكومي قادر على اقناع وشرح ذلك للمواطن، فربما يندهش معالي د. فياض اذا قلت له لماذا لا يكون الاضراب من قبل الحكومة ولكن بمفهوم التقنين والترشيد؟ كل الوزارات والدوائر مهمة ولكن لا احد يختلف على وجود اولويات في حالات الضرورة والاولوية طبعا للصحة والتعليم وتتريب البعض الآخر تباعا بالاهمية واحتياج المواطن، فبدل الاضراب لماذا لا تقوم الحكومة مثلا بقصر ايام الدوام لبعض الدوائر مثلا على اربعة ايام ودوام الموظف في منطقة سكناه بدل المواصلات وخطوات تقشفية والعمل قدر الامكان على توفير الموزانات من هنا وهناك والاولوية للصحة والتعليم.. وهل يعقل المواطن الغلبان والمقهور على امره وبدون راتب ان يبقى بدون خدمات صحية لمدة خمسة ايام او اكثر او اقل؟ او بدون تعليم وخاصة طلبة الثانوية العامة؟ نحن في ازمة مالية خانقة نعم ولكن يبدو كذلك وجود ازمة ثقة تحتاج من الجميع المشاركة في وضع التصورات و"تجرع" الحلول..!!