لم يكن مهرجان غزة مهرجانا ً له نكهة الأحتفال بل كان محاولة جريئة ً لأثبات الوجود على الساحة الغزية وقد ثبت ذلك دون أدنى شك، بل بشكل أفحم كل الذين شككوا بقوة "فتح" في القطاع أو الذين حاولا استغلال خلافاتها الداخلية لتشويه صورتها أو إفساد فرحتها بهذه المظاهرة التي جاءت في وقت كانت "فتح" بأمس الحاجة إليه لتسجل وجودها وبقوة في الشأن العام بقطاع غزة.
لقد راهن البعض بأن غزة باتت محسومة لحركة "حماس" وأن "حماس" على وشك التهام الضفة ولكن جماهير غزة الذين توافدوا من كل حدب وصوب الى ساحة الشهيد ياسر عرفات، الكتيبة أو السرايا، قطعوا القول بالفعل وصوتوا بحضورهم وتجشمهم مشاق السفر أو المشي عبر المسافات الطويلة وقالوا نعم لـ"فتح"، وأثبتوا خطأ كل التقديرات والحسابات الي حاولت الانتقاص من قوة وكثافة جماهير "فتح" في قطاع غزة.
لقد كانت الأعصاب متوترة وكان همّ المنظمين الأول والأخير هو أن ينعقد المهرجان وينتهي بدون أية أحداث سلبية كان يمكن أن تصل حد الكارثة، وكان لهم ذلك فقد مر الحدث بسلام.
لم يكن الأعداد الفني موفقا ً وربما كان لضيق الوقت دور في ذلك، وتم قص أسلاك السماعات وانقطع الصوت وتقطّع بفعل فاعل وصفه البعض بـ"المندسين"، ولم تهنأ الجماهير بفرقة العاشقين، ولكن الكل دون استثناء، تمتع واستمتع برؤية جماهيره من حوله والرايات الفتحاوية الصفراء والأستماع لأغاني وأناشيد الثورة التي كانت تضخ الحماس والقوة في عروقنا في أواخر الستينيات فالسبعينيات والثمانينيات، ثم تحولت إلى الأرشيف بعد أن بدأنا نلهث وراء سراب الحل السلمي وانشغلنا في الأقتتال على استحقاقات النضال واعتقدنا أن المعركة قد انتهت وآنه قد آن أوان جمع الغنائم.
في ساعات الحرب أو الزلزال أو الكوارث الطبيعية يختبئ الناس وينقطعون عن بعضهم البعض، وما أن تضع الحرب أوزارها أو يتوقف الزلزال أو تنقضي العاصفة حتى يخرجوا من مخابئهم يبحثون عن ذاتهم وأحبائهم، وكأني بجماهير "فتح" التي خرجت إلى الساحة قد خرجت أولا ً وقبل كل شيء لتؤكد وتتأكد من سلامة الجميع وتستأنس بالأحبة والرفاق وتردد الأهازيج الفتحاوية التي لم يكن يُسمح لها تردادها حتى في الأفراح العائلية الخاصة.
أول ملاحظة ٍ نسجلها هنا هي أن مجرد تدفق ووصول الناس الى ساحة الشهيد ياسر عرفات بهذا الكم الهائل الذي كان الرد الأقوى على كل المشككين بقوة "فتح" في قطاع غزة، هو بحد ذاته نجاح ٌ وإنجاح لهذا المهرجان الذي لا أتردد في وصفه بالتاريخي لأنه كان أقوى رد ٍ على من حاولوا تزوير الحقيقة التاريخية وهي أن "فتح" هي الثورة وهي الديمومة وهي الشعلة التي لا تنطفئ.
مهرجان "فتح" وبالدرجة العالية من الألتزام التنظيمي من قبل أبناء الحركة أثبت نضجهم وترفعهم عن إقحام الخلافات الداخلية في حساباتهم حين يكون التحدي لـ"فتح" والمعركة لـ"فتح"، فهم فتحاويون والحركة هي فوق كل الأفراد وكل الحسابات الشخصية أيا ً كانت. ولا بد من التأكيد هنا بأن النجاح الذي حققه المهرجان يجب أن يكون حافزا لقيادة فتح لأغلاق ملفات الخلاف الداخلي والتراجع عن قرارات الفصل وفتح ذراعيها لكل أبنائها، وإذا كانت هناك خلافات أو مخالفات فلتوضع على مائدة المحاسبة وبالطرق التنظيمية والقانونية التي تكفل أن لا يكون للخلاف أو المزاج الشخصي دور فيها يشوب سلامة الأجراءات أو موضوعيتها.
مهرجان "فتح" أثبت حقيقة ً أخرى وهي أن أحدا ً لا يستطيع تزوير إرادة أهلنا في القطاع وأنه بالرغم من كل وسائل القمع البوليسي فإنهم هناك مرابطون وموجودون وبقوة.
ولا أذكر وقتا ً تحدث فيه الجميع عن الوحدة الوطنية أكثر من هذه الأيام وفي سياق الحديث عن مهرجان "فتح" واحتفالها بالذكرى الثامنة والأربعين للأنطلاقة فهل هناك نية حقيقية للمصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية التي هي السلاح الوحيد الذي يمكن أن ينفعنا في المواجهة الحقيقية الآتية عاجلا ً أم آجلا ً لا محالة؟
يأمل المرء أن يكون مهرجان إنطلاقة "فتح" بداية لرفع الأكمة عن الأفواه هنا في الضفة وهناك في غزة، وبداية للحوار بالمنطق لا بالتآمر والعمل السري، وبداية لتبييض السجون وإحلال قانون المحبة بدلا ً من القمع وتميم الأفواه واغتيال حلم الحرية الذي انتظرناه طويلا ً وظننا أن سلطتنا العتيدة ستحققه لنا، ولكننا أُصبنا بالصدمة.
الخطوة التي يجب أن تلي مهرجان "فتح" هو ظهور الأخ أبو مازن هناك ليخاطب أبناء شعبه شخصيا، لا من خلال مايكروفون متقطع كانت دقات قلوب المسؤولين عنه تعلو وتهبط مع كل خلل فني.