الانعطافة التي شكلتها المليونية الفلسطينية في محافظات الجنوب (غزة) بالذكرى الثامنة والاربعين لانطلاقة الثورة المعاصرة وحركة "فتح"، لا تقتصر تأثيراتها عند حدود الرسائل، التي وجهتها لكل القوى والدول على المستويات المختلفة، بل تعدتها لتضع حدا فاصلا بين مرحلتين من التاريخ الوطني الراهن، مرحلة ما قبل إحياء الذكرى وما بعدها.
المناسبة وضعت في يد الرئيس محمود عباس وقيادة منظمة التحرير وحركة "فتح" اوراق قوة جديدة، كانت تعتقد، انها إفتقدت لها، ولم يعد بالامكان احسن مما كان، حتى ضاقت حلقات الضغط على الرقبة الفلسطينية، وافترض الكثير من القيادات السياسية في الساحة ودول الاقليم العربي بما في ذلك إسرائيل والعالم، ان على القيادة وخاصة الرئيس عباس، إعداد العدة لـ"تسليم" مقاليد الامور لقيادة حركة "حماس"، التي إفترضت انها باتت "تمسك" مفاتيح منظمة التحرير. فجاءت مليونية الغيث الوطني من غزة لتضع حدا لكل الاستنتاجات واستطلاعات الرأي مدفوعة الثمن، التي شوهت صورة الواقع، واعادت الاعتبار اولا للوطنية الفلسطينية، وللوحدة الوطنية ولمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها محمود عباس؛ وثانيا اعادت الاعتبار لدور ومكانة "فتح" كحركة رائدة وقائدة للمشروع الوطني؛ وثالثا وضعت اسس نوعية للغة سياسية مختلفة وجديدة. لان المليونية غيرت معادلات كثيرة داخلية واسرائيلية وعربية ودولية.
ما حدث في غزة يملي على رئيس حركة "فتح" ومنظمة التحرير والقيادتين التنفيذية والمركزية، وهم يستقبلون عاما جديدا وبداية نشاط سياسي ودبلوماسي لمراكمة وانتزاع انجازات سياسية جديدة لتكريس دولة فلسطين في المحافل الاقليمية والدولية، وعلى الارض، إعادة نظر في اللغة السياسية المعتمدة، ليكون الخطاب الجديد بمستوى التحول، الذي انتجته المليونية، دون غرور او تطير ومراهقة سياسية.
اللغة الواجب استخدامها مع القوى السياسية الفلسطينية وخاصة "حماس" تتطلب الابتعاد عن لغة "الاسترقاق"، والتعامل بندية، ومن موقع الحرص على الشراكة السياسية، لكن دون السماح لحركة الانقلاب بتجاوز الخطوط الحمراء الوطنية، والزامها بطي صفحة الانقلاب الاسود في محافظات غزة فورا، بسماحها للجنة الانتخابات المركزية بمتابعة عملها لتسجيل الناخبين الجدد في محافظات الجنوب. واستكمال ملفات المصالحة والوحدة الوطنية، وفي مقدمتها اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لتختار الجماهير ممثليها ورئيسها المقبل، وفي السياق فتح ابواب المنظمة لحركتي "حماس" والجهاد الاسلامي وفق المعايير الوطنية، التي رسمت ملامحها المليونية الجديدة.
وعلى الصعيد الاسرائيلي من الواجب تغير اللغة المتبعة مع حكومة اقصى اليمين الموجودة، او التي ستأتي بعد الانتخابات القادمة، لاسيما وان مليونية الجمعة (4 كانزن الثاني)، ستؤثر بهذا القدر او ذاك في الخطاب السياسي الاسرائيلي، وسيكون لها حضورا في صناديق الاقتراع الاسرائيلية. وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، فإن طريقة التعامل مع نتنياهو وليبرمان لا يجوز ان تكون هي ذاتها. وبالطبع من موقع المتمسك بخيار السلام. لكن الميلونية فتحت الباب واسعا امام القيادة لتنطلق نحو فضاء اوسع في المنابر الاسرائيلية والعربية والاقليمية والدولية بالانضمام لكل المنظمات والاتفاقيات والمحاكم الدولية لمحاكمة قادة دولة التطهير العرقي الاسرائيلية على جرائمهم. ليس مسموحا لها (القيادة) التفريط بما حملتة المليونية من تحول ايجابي اي كانت الذرائع، التي يمكن سوقها.
في ذات السياق، لغة التعامل مع الدول العربية تحتاج الى تغيير جدي، لوضع النقاط على الحروف، وحتى لا تبقى الكاسة ضايعة. ولوضع حد لامير قطر ورئيس وزرائه وكل من لف لفهما في المنطقة من قادة حركة الاخوان المسلمين. وعلى رئيس دولة فلسطين، المبادرة للاتصال اليوم وليس غدا لمطالبتهم بعقد قمة عربية طارئة وخاصة لفلسطين قبل قمة آذار القادمة، لالزامهم بوضع آلية عربية لتقديم دعم مالي مباشر لموازنة الدولة، والمطالبة باعادة نظر بحجم شبكة الامان لترتقي للمئتي مليون دولار اميركي بالحد الادنى، وتأمين سيولة بقيمة (500) خمسمئة مليون دولار لسد العجز المتراكم على المؤسسة الفلسطينية، والوفاء بما تعهدت به القمم السابقة بشأن القدس ومشاريع الاعمار في غزة.
ومع وصول السيد هيل، ممثل اميركا للتسوية السياسية يفترض بالرئيس عباس، ان يُّسمعه خطابا مختلفا، لان سياسات ادارة اوباما لم تنتج سوى المزيد من الاحباط وغياب الامل في اوساط الشعب الفلسطيني، من خلال دعمها اللامشروط لحكومة اليمين المتطرف في اسرائيل، ووقوفها مع خيار الاستيطان الاستعماري في مجلس الامن باستخدام حق النقض الفيتو ضد المشروع الفلسطيني – العربي الداعي لادانته. ومطالبة ادارة اوباما اعادة نظر جدية بسياساتها مع مصالح الشعب الفلسطيني العليا.. والباقي عند القيادة.