لم يعرف العالم مادة استيراتيجية تفوق أهميتها مادة النفط. وفي العالم نفوط كثيرة، نفوط في العالم الأول ونفوط في ما يسمى بالعالم الثالث، دول العالم الأول المالكة للنفط والمالكة إيضا لناصية قرارها إستثمرت نفوطها على أفضل وجه، فجعلت منها محركا حيويا لدواليب صناعاتها وزراعاتها وعلومها، ووظفت تصديرها في السياسة الدولية فشغلت مكانة مرموقة بين الأمم، ونجحت بترويج تجارتها الدولية وبحماية مصالحها الإقتصادية ونشر ثقافتها وفرض إحترامها على أصدقائها وأعدائها.
في العالم الثالث نوعان من الدول النفطية، النوع الأول يتمثل بدول نفطية مالكة لقرارها المستقل وأهمها إيران وفنزويلا وهذه استثمرت مصادرها النفطية والغازية في خدمة مصالح ومستقبل شعوبها وشعوب المنطقة المنتمية إليها، وفي انتهاج سياسة دولية أكسبتها إحترام الصديق والعدو. فنزويلا وايران تعملان بآلية تداول السلطة ولديهما رئيس منتخب وحكومات دستورية وبرلمان منتخب ومجالس بلدية منتخبة ودساتير أقرها الشعب بمحض إرادته، الأمر الذي جعل من فنزويلا دولة محورية في القارة الأميركية الجنوبية وجعل من إيران الآسيوية المسلمة دولة متقدمة في العلوم النووية والفضائية وفي الزراعة والصناعات المدنية والعسكرية فأضحت دولة إقليمية كبرى يتودد لها الصديق ويخشاها العدو.
العامل المشترك بين الدول النفطية المتقدمة والدول النفطية في طور التقدم التي أشرنا اليها، هو امتلاك الطرفين للقرار المستقل ولآلية تداول السلطة، وهذان أمران يفتقدهما النوع الثاني من دول العالم النفطية المنتمية للعالم الثالث وعلى رأسها دولنا العربية في الخليج وفي شمال افريقيا، التي تصدر النفط والغاز لجميع أنحاء العالم وبذلك تساعد دول العالم في تطوير الصناعة والزراعة والعلوم وفي تشغيل الأيادي العاملة وتنمية إقتصادها، وفي المقابل تبرع دولنا النفطية في ترفيه الكبارالمحتكرين للسلطة والمال الذين لا يجيدون سوى إشباع غرائزهم بشتى أنواعها ولا يتوجهون إلا لبناء القصور التي تسر الناظرين ولامتلاك آخر ما توصلت اليه التكنولوجيا الغربية من صناعة السيارات الفارهة وطائرات الألف ليلة وليلة الخاصة. كان الخليجيون العرب قبل النفط يعتاشون من صيد السمك واللؤلؤ ويأكلون ويلبسون مما كانت تجود به أرضهم الصحراوية، وبعد النفط ما عاد أهل الخليج يأكلون مما يصطادون ويزرعون ولا يلبسون مما ينتجون، وباتوا يرضون بفتات العوائد النفطية الهائلة المقدمة اليهم من ملوكهم وأمرائهم، وقلة أعدادهم مكنت الأسر الحاكمة لهم من إرضائهم ولا نعرف إلى متى؟
أما السعودية، الدولة المصدرة الأولى للنفط في العالم والثانية في إنتاجه بعد الإتحاد الروسي، فالكلام عنها لا ينتهي، 50% من شعبها الذي يعيش فوق اكبر بحيرة نفط في العالم لا يملكون بيوتا خاصة بهم، و30% من شبابها وشاباتها عاطلون عن العمل، والبلد باستثناء التمور يستورد كل شيء من الإبرة للطائرة ومن الخيط للغترة والدشداشة ومن الرغيف للوازم المناسف، ولا صناعة فيه إلا الصناعات التحويلية التي يمكن لأفقر دول العالم إنتاجها.
وعودة لعنوان هذا المقال، نطرح سؤالا كبيرا، هل النفط نعمة أم نقمة؟ والإجابة على هذا السؤال نستنتجها من سياق المقال، النفط نعمة كبرى للدول النفطية المتقدمة المالكة له وللنوع الأول من الدول النفطية في طور التقدم لأن لدى الطرفين القرار المستقل ولديهما أنظمة حكم تمثل مصالح شعوبها، والنفط نقمة لحقت بشعوب الدول النفطية من النوع الثاني التي أدمنت التبعية ففقدت حريتها وقرارها المستقل. وأهلا.. أهلا.. بإحتفالات عيد إستقلال دولنا النفطية التي تقام في كل عام.