2013-01-04

هل يشهد العراق ربيعا عربيا قريبا؟!


بقلم: عبدالله القاق

لن يكون العراق في الايام المقبلة بعيدا عن ثورات الربيع العربي بسبب سياسات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الاسقصائية ضد السنة وابناء بلده في مختلف المحافظات.وهو ما اعلن عن ذلك قادة تظاهرات الانبار وكركوك والقيادي المعارض حارث الضاري والقيادي الصدري مقتدى الصدر.

فإذا كانت التوافقات بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي واياد علاوي رئيس القائمة العراقية قد نسقت بعد اتهام السيد طارق الهاشمي نائب الرئيس بالإرهاب، وبالتآمر على الحكومة فإن هذه المسألة التي تتفاقم أبعادها بشكل كبير قد تؤدي الى عدم الاستقرار تعد حاليا الشغل الشاغل لمختلف الأطراف السياسية في العراق والدول العربية والولايات المتحدة بعد أن عجز الرئيس جلال الطالباني ورئيس اقليم كردستان مصطفى البارزاني في التدخل لإنهاء هذه القضية التي يطالب المالكي بمحاكمة الهاشمي في بغداد مع رفض شامل وكامل للكتلة التي ينتمي اليها بأن تتم محاكمته في بغداد باعتبارها "جريمة" لا يمكن السكوت عنها من المالكي الذي يسعى الى تصفية خصومه السياسيين كما تقول القائمة العراقية ويردد ذلك السيد علاوي في لقاءات تلفزيونية متعددة، وترى هذه القائمة أيضا ان استمرار مواقف المالكي المناوئة للهاشمي من شأنها ان تهدد العملية السياسية برمتها ما لم يتم اسدال الستار على قضية الهاشمي الأمر الذي دعا قائمة الكتلة العراقية المدعومة من البرلمان وهي من السنة لاتهام المالكي بالانفراد بالحكم في ائتلاف لتقاسم السلطة كان من المتوقع ان يخفف التطورات الأخيرة في العراقية ويسهم بإنهاء الأوضاع المتأزمة وموجات التفجيرات التي حصدت المئات في الآونة الأخيرة.

فإذا كانت القائمة العراقية تعتقد ان الهاشمي بريء كما أعلن لدى زياراته لكل من قطر والسعودية وتركيا مؤخرا وان الدستور يعطي العراقيين الحق بمحاكمة عادلة ونزيهة بعيدا عن التدخلات وتطالب بإجرائها في إقليم كردستان فإن الحكومة العراقية ينبغي ان تستجيب لهذا المطلب بخاصة أن هناك شبه اجماع من بعض القوائم الحزبية العراقية بالتفاهم حيال هذا الموضوع حتى لا تظل هذه المسألة تسبب ازمة وتفسد تطور الأوضاع العراقية نحو مزيد من البناء والتنمية والتعمير بعد ان عانت الكثير اثناء الاحتلال الأمريكي للعراق.

و ما زالت دروس ذلك الاحتلال تخيم على السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية من حيث النقاش والدراسة والتمحيص حول الاوضاع في افغانستان ووجوب انسحاب قواتها في عام 2014 بعد ان تم انهاك الولايات المتحدة في العراق وافغانستان سياسيا واقتصاديا وماليا.

ولكن.. هل ينجح زعماء عراقيون من كتل سنية وشيعية وكردية بعقد مؤتمر وطني قريبا في محاولة لحل هذه الأزمة ووضع استراتيجية لمختلف الطوائف العراقية بغية بناء العراق بعد ان اتهمت معظم الكتل الحزبية البرلمانية حكومة المالكي التي ترتمي في احضان ايران بأنها هشة ولا تستطيع العمل نتيجة استحكام الخلاف والريبة الشديدة بين العراقيين المتخاصمين الأمر الذي دعا المالكي لضرورة استقرار سياسي في العراق، فيما طالب اسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي ببناء الحاضر والمستقبل معا قلبا واحدا ويدا واحدة وانهاء الخلافات وبدء صفحة جديدة من التفاهم المشترك.

فالمالكي بدأ بصورة واضحة يواجه معارضة من داخل التحالف الوطني حيث شرع عدد من اعضائه باستغلال هذه الأزمات التي تواجه العراق بالمطالبة برئيس وزراء جديد أو التفاوض مع الأطراف الأخرى حول مناصب جديدة او مزايا تقدم لهم ما سيؤدي لعقد صفقات جديدة مع اطراف اخرى للحيلولة دون اراقة الدماء.. مجددا في ذلك البلد الذي تتصارع فيه الخلافات والإشكالات بشكل كبير.

ولم يخف الهاشمي المطلوب للعدالة خلال حديث له في مجلة "نيوزويك" منذ ايام أن الاتهامات الموجهة اليه بشأن وقوفه وراء العديد من الأعمال الارهابية التي شهدها العراق غير صحيحة اطلاقا، بل تمثل في الواقع ادانة لرئيس الحكومة المالكي متسائلا: "كيف لي أن أدير فرقة للموت ورئيس الحكومة يعرف بذلك لمدة ثلاث سنوات كما يقول"، و"لماذا تركني اقتل العديد من العشرات طوال تلك السنوات"؟! واعتبر الهاشمي والذي اجرت معه المجلة الامريكية هذا اللقاء في مقر اقامته بضيافة الرئيس العراقي جلال الطالباني بمجمعه السكني في المنطقة الجبلية الواقعة بالقرب من الحدود مع إيران ان التهم الموجهة اليه "ليست إلا محاولة من قبل المالكي للانقضاض على خصومه السياسيين لكي يتفرد بالساحة لوحدة".. ورأى الهاشمي احد ابرز وجوه القائمة العراقية في البرلمان، وهي تكتل من السنة والشيعة والعلمانيين أن "المالكي بات خطرا على السنة في العراق وأن جماعتي قلقون على مستقبلهم وأنهم يفكرون بإنشاء أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي".

إن اطلاق مثل هذه التصريحات يدل بشكل واضح على أن الأزمة في العراق كبيرة ومستعصية، وان هناك انقسامات حادة وكبيرة في العراق قد تسارع بتهديد وحدته وتطوره وزيادة مطالبات الحكم الذاتي وإنشاء كيانات جديدة في الشمال والوسط والجنوب بسبب هذه الأوضاع المتردية التي لم تستطع حكومة المالكي ايجاد الحلول السريعة للجمها.. بل هي مستمرة بإيجاد العديد من المشكلات التي تهدف لتمزيق الوحدة الوطنية العراقية.. إذا لم يسارع المختصون في حزبه لإنهاء هذا الوضع ولملمة القضية الأساسية التي تهدد وحدة العراق وأمنه واستقراره بخاصة ان التيار الصدري بزعامة مقتدر الصدر حمّل المالكي مسؤولية تأخر فتح ملف الهاشمي رغم علمه به منذ سنوات.

ولا شك أن المالكي الذي أمسك بكل مفاصل القوة في الحكومة بدءا بالسيطرة على الأجهزة الأمنية ووزارتي الداخلية والدفاع ولم يسمح لأحد من القائمة العراقية بأن يتولى احداها اضافة الى الأمن الوطني والاستخبارات والمخابرات التي يديرها احد الموالين له والهيئات الأمنية المستقلة الأخرى يعتمد في توجهاته الحالية على دعم بعض الطوائف التي نصحته بأن يختار اللحظة السياسية المناسبة وتوجيه ضربة قاصمة لحصومه.

فالمطلوب من المؤتمر الوطني المقترح -إذا ما تم عقده قريبا- إنهاء الأوضاع المتأزمة في العراق بتسمية شخصية جديدة لرئاسة الوزراء بدلا من المالكي او تشكيل حكومة جديدة تُعد لإجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة شراكة وطنية استنادا لمؤتمر اربيل الذي بموجبه شكل الحكومة التي يرأسها حاليا المالكي لوضع حد لتفرد المالكي بالسلطة الأمر الذي زاد من حدة الأزمة وعلقت القائمة العراقية مشاركة نوابها ووزرائها بجلسات البرلمان والوزراء بسبب سياسة التهميش والاقصاء التي تتبعها حكومة المالكي.

ولعل ما يشير لتفاقم الأوضاع في العراق ما أعلنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان بأن هذه الأزمات المتلاحقة تنذر بنزاع طائفي لا يمكن لبلاده ان تقف مكتوفة الأيدي حياله ما أثار حفيظة الحكومة العراقية واعتبرته تدخلا في الشؤون الداخلية العراقية.

والواقع أن الأيام المقبلة حُبلى بالأحداث في العراق جراء سياسة المالكي واستمر سجنه لمواطنين الشرفاء وابقاء السجينات العراقيات في السجون مع تعرضهن لعمليات اغتصاب كما قال المتظاهرون في الانبار امس وزرع بذور الفتنة الطائفية وما يعانيه من فساد إداري وسياسي وبطالة ومحاصصة طائفية وهذا الأمر يحتاج لإعادة تشكيل الحكومة وبناء دولة مؤسسات دولة العراق لكل العراقيين بعيدا عن المذاهب والطوائف والأعراق، مع احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وتداول السلطة وابعاد ذلك البلد عن التدخلات الأمريكية او الإيرانية وغيرهما في هذه المرحلة الراهنة والحساسة.

* رئيس تحرير جريدة "الكاتب العربي" الأُردنية. - abdqaq@orange.jo