2013-01-02

أزمة مخيم اليرموك، خسارة صافية للفصائل الفلسطينية..!!


بقلم: عبدالحميد الشطلي

لم تتمكن غالبية الفصائل الفلسطينية والتي تصادفت ذكريات انطلاقاتها لهذا العام من احيائها في مخيم اليرموك، رغم أنها دأبت على فعل ذلك، منذ سبعينيات القرن الماضي.

لا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولا حركة "حماس"، ولا حتى حركة "فتح" استطاعت القيام بذلك بسبب احتدام أزمة المخيم والظروف الأمنية، والسياسية، والاجتماعية التي فرضت نفسها عليه بإرادة الفصائل، أو فوق إرادتها بسبب سوء تصرفها وتهالك قيادتها للحالة السياسية والمجتمعية داخل المخيمات عموماً، ومخيم اليرموك على وجه الخصوص. 

رغم أن "فتح" وبعد سبعة أعوام من عدم تمكنها من إحياء مناسباتها في غزة تحيي مهرجاناً جماهيرياً ناجحاً في القطاع في ساحة السرايا بعد الانفراج السياسي الجزئي في علاقتها مع حماس أثر نجاح الفلسطينيون في تحريك جزئي في ميزان معادلات القوى التكتيكية بعد حرب نتنياهو الهمجية على القطاع من جهة، وتحقيق فلسطين عضو مراقب في الأمم المتحدة من جهة أخرى، وما استولد من هبات ساخنة، وشحنات عاطفية ووجدانية شعبية فلسطينية، رفعت رايات، وبيارق المصالحة والوحدة الوطنية، واستجابة الأطراف الرئيسة على طرفي معادلة الخلاف لهذه المناخات المستولدة حقيقة، أو مناورة. 

إلا أن استشعارنا للهبات الساخنة، وللشحنات العاطفية والوجدانية الحارة، ينبغي أن لا يصيبنا بالعمى السياسي والوقوع في فقدان الاستبصار أو فقدان الاستشعار بما يهب من رياح باردة بين الفينة والأخرى في ثنايا، أو طوايا هذا الحديث، أو ذلك التصريح لهذا القائد، أو ذاك على طرفي معادلة الخلاف الفلسطينية.
 
لا سيما بعد انقشاع الغيوم الملبدة في سماء مخيم اليرموك، وانكشاف ظهر الوجود الفلسطيني في البلد الشقيق سوريا، فلم يعد ممكناً، أو حتى جائزاً السكوت، عن المعاني الحقيقية التي ينطوي عليها واقع حال الفلسطيني عموماً وحال المخيمات الفلسطينية في سوريا، ومخيم اليرموك على وجه الخصوص والذي كان الحاضنة الدافئة للوجود الفلسطيني، فعلاً، ونشاطاً سياسياً، واجتماعياً، ثقافياً، وتنظيمياً، وحتى اقتصادياً، كما لم يعد مقبولاً التغطية صراحةً، أو مواربةً على مظاهر الحزن، والخيبة والتي تحملها غالبية مكونات الحالة الشعبية الفلسطينية ممزوجة بمظاهر ما بين الغضب والكرامة على الفصائل الفلسطينية عامة، والفصائل الرئيسة منها على وجه التحديد بعد أن وقع المخيم أسيراً في صراع دامٍ ومدمر، وانزلاقه مكرهاً، أو مختاراً إلى أطوار من الانقسام المجتمعي، السياسي، أو الأهلي بغض النظر عن مساحة، أو حجم كل طور من تلك الأطوار وتأثير ذلك سلباً على الوجود الفلسطيني الحيوي بكل مكوناته الشعبية أو غير الشعبية. إن السؤال الأهم والذي يطرحه اللاجئون الفلسطينيون في سوريا عموماً، ومخيم اليرموك على وجه الخصوص، لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟ وأين مصلحة الشعب والوطن في ذلك؟ وما هي الاعتبارات التي حكمت مواقف بعض الأطراف المتدخلة جزئياً، أو كلياً في دوامة الأزمة السورية الطاحنة؟

إن قول الحقيقة وعدم السكوت عنها، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وحتى لا يقع في إسار اغتيال الواقع والوقائع، ينبغي أن يلحظ تراكم حالة الاستياء المشروع عند الحالة الشعبية الفلسطينية (من الفصائل) بسبب عجزها الفاضح عن القيام بدورها المناط بها كقيادة سياسية للشعب الفلسطيني، خاصةً بعد تراكم تداعيات الأزمة السورية على الحالة الفلسطينية، واستمرار جدول الحلول العبثية بها، بما يعني إطالة عمر الأزمة الراهنة، وهنا ليس غريباً أن تصل الأزمة إلى هذا الحد؟ 

إن محاولة بعض الأطراف الفلسطينية (بغض النظر عن مصالح الأطراف السورية المختلفة في أزمة المخيم) إدارة الأزمة على قاعدة احتوائها، وليس على قاعدة حلها، يقدم مفارقة حادة كالسكين تقطع عميقاً في لحمة الحالة الشعبية الفلسطينية مما يفاقم من معايناتها المختلفة والتي تقف في مقدمتها مشكلة النزوح من المخيم والتي تشكل أحدى أبرز مظاهر أزمة المخيم، والمخيمات الفلسطينية الأخرى، لاسيما أن عدد النازحين من اليرموك يزيد عن مائتي وسبعون ألف نازح، ومن الطبيعي أن تخلق أزمة النزوح وتنتج أزمات أخرى تعمق الطابع المعقد والمركب لأزمة المخيم. 

إن استمرار الغرق في التباسات الفهم والمعنى في صيغة الحل والذي جرى التوصل له مع أطراف الأزمة ودون تنفيذ فعلي باعتبار المخيم منطقة آمنة بانسحاب كل المظاهر المسلحة منه يعني استمرار معاناة عشرات الآلاف ممن هجروا منه ويقاسون التشرد والجوع والبرد وينزحون تحت ظروف إنسانية ومناخية صعبة وقاسية للغاية داخل  القطر الشقيق، أم في دول الجوار.
 
إن القيادة السياسية الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية، والحالة السياسية بكل ألوانها وأطيافها لا يجوز  لها التلكؤ في الوصول إلى حل أزمة المخيم والوجود الفلسطيني في سوريا وبغض النظر عن درجة تحمل المسؤولية بين هذا الفصيل أو ذاك في الأزمة الراهنة، الأمر الذي يمكن قياسه لاحقاً، لكن المهم الخروج من عنق الزجاجة، ومغادرة فوهة البركان الملتهب والذي يوقع يومياً العديد من الضحايا الشهداء، وهنا ينبغي القول دون مواربة، أن عودة المخيم كمكان لجوء آمن للفلسطينيين مسؤولية الجميع وفي الأساس مسؤولية من دفعه إلى حافة الكارثة. 

إن مسيرة الوجع الإنساني الفلسطيني، مسيرة تمتد لخمسة وستون عاماً، عمر اللجوء والاحتلال لفلسطين، فلا تضيفوا عليها أوجاعاً أخرى، رغم ما يقال، بأن الأوجاع لأرواح الشعوب، تجعل منها شعوباً عظيمة وإن المصائب تصقلها فتعلو فوق جراحها وآلامها.

 عصفت الأزمة بالوجود الفلسطيني في الوطن الشقيق سوريا، وطالت برياحها العاصفة مخيم اليرموك إلا أن المخيم يصر على حقه بالبقاء الآمن والمستقر متحدياً جبروت الموت، ومفاعيل الأزمة، ونجاحه في ذلك، مسؤولية الجميع، سوريين وفلسطينيين.

* كاتب فلسطيني وأسير محرر. - abdelhamidabuwesam@gmail.com