2013-01-02

النفير الفتحاوي في غزة..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

ما يحدث في غزة هذه الايام لا يمكن ان يصدقه العقل او يتوقعه اكثر الخبراء في علم تنظيم المهرجانات والاحتفالات. حالة من الهيجان الفتحاوي انطلقت دون ان تسأذن احد بمجرد ان تم الاتفاق على اقامة مهرجان الانطلاقة على ارض السرايا في منتصف مدينة غزة، حيث تم الاتفاق على ادق التفاصيل المتعلقة بالاحتفال وذلك لتجنب وقوع اشكالات تعكر الاجواء، سيما في كل ما يتعلق بالجانب الأمني والنظام العام.

الخطوة الاولى في احياء الذكرى كانت في ايقاد الشعلة التي تشرف الدكتور زكريا الاغا عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير اشعالها بحضور القيادات الفتحاوية والوطنية وعشرات الالاف من ابناء "فتح" وابناء الشعب الفلسطيني الذين انتظروا هذه اللحظة سنوات والذين في غالبيتهم العظمى توافدوا للمكان بشكل عفوي حيث وخلال فترة قصيرة تجمع عشرات الالاف في المكان يهتفون لـ"فتح" ولفلسطين وللوحدة الوطنية، هتفوا لانهاء الانقسام وهتفوا لوحدة "فتح" وضرورة توحيد صفوفها وفكفكة ازماتها.

كان هناك الآلاف من ابناء الشعب الفلسطيني الذين جاءوا بدوافع مختلفة. هناك من جاء ليقول ان وجود "فتح" قوية موحدة ومتماسكة هو ضرورة وطنية مُلحة للحفاظ على توازن الجسد الفلسطيني، وهناك من جاء للمشاركة بهذا الاحتفال بأعتباره اكبر المؤشرات بأن مرحلة جديدة من العلاقات بين ابناء الشعب الفلسطيني قد بدأت تتبلور وان لاعودة الى الوراء بأي حال من الاحوال، ارادوا ان يقولوا لـ"فتح" ولـ"حماس" ان التقدم ببطئ مسموح ولكن الدوران في نفس المكان او التراجع الى الخلف هو جريمة وطنية.

الاحاديث في الشارع كثيرة، والقراءات لما يحدث متعددة. ما اراه بأم عيني هو التالي:

اولا: بغض النظر عن الجدل والاحباط الذي ساد والذي لم يعد يذكره احد قبل ان تعطي حركة "حماس" موافقتها على اقامة المهرجان لاول مرة منذ ستة سنوات، والتي سبقها السماح لحركة "حماس" اقامة مهرجاناتها في الضفة بكل حرية، الجميع ينظر لهذه الخطوة على انها الاكثر جدية على طريق انهاء الانقسام. المهمة ليست صعبة والعقبات كثيرة والتحديات اكثر ولكن ايضا ارادة الشعب الفلسطيني وهذا الجيش من الوطنيين من كلا التنظيمين قادر على تذليل هذه العقبات. الناس في غزة عمليا لا تحتفل بالانطلاقة فقط بل هي تحتفل بما تعتقد انه أنهاء للانقسام، تحتفل بما تعتقد انها بداية المرحلة الجديدة من العلاقة بين القوى الفلسطينية، خاصة حركتي "فتح" و"حماس". هؤلاء يجب ان لا يخيب املهم.

ثانيا: على مدار اليومين الماضيين تشهد شوارع قطاع غزة المئات من السيارات التي تجوب الشوارع، وهي مزينة بالاعلام الصفراء والاعلام الفلسطينية، وهناك تجمعات في المناطق المختلفة يتم تنظيمها بمبادرات محلية من قبل ابناء حركة "فتح"، حيث اضافة لما توفره الحركة من امكانيات، هناك جزء كبير من تغطية هذه النشاطات تم توفيره بجهود فردية. شبان صغار و من مصروفهم البسيط اتفقوا مع بعضهم البعض و اشتروا اعلام ورايات واستأجروا سيارات لتجوب بهم في شوارع غزة وهم يهتفون لفتح و لفلسطين وللوحدة الوطنية.
 
حركة "حماس" التي لم تكن تتوقع هذا الحجم من الحراك الفتحاوي تعاملت معهم بكل الاحترام واجهزتها الأمنية، خاصة جهاز الشرطة، حرصوا على تقديم كل التسهيلات. مقابل ذلك وعلى الرغم من حجم هذا الحراك الا انه لم تسجل حسب علمي اي حادثة اخلال بالامن او النظام. ان ما يحدث هو عبارة عن تبادل رسائل بين الطرفين على اننا قادرين على التعايش مع بعضنا البعض وان ليس بالضرورة ان نكون بديلا لبعضنا البعض.

ثالثا: هناك تخوفات لدى البعض ان لا تسير الامور كما يجب خلال المهرجان. هذه التخوفات التي يتم تناقلها وعبر عنها الاخ ابو العبد هنية خلال لقاءه بوفد حركة "فتح" ولجنة القوى الوطنية والاسلامية حيث قال بأن لديهم معلومات بامكانية حدوث مشاكل واحتكاكات بين "انصار الاخ دحلان" و"انصار الرئيس عباس".

 وفقا لما اعرفه ان القرار لدى كل ابناء "فتح" من قيادات وكوادر وعناصر ان ينجح هذا المهرجان وان تسير الامور كما يجب ان تكون، وهنا اود التأكيد على انه لا يوجد انصار للرئيس وانصار لدحلان ولا يوجد تيار لدحلان منفصل عن حركة "فتح"، نعم هناك خلافات، وهناك امتعاض من قرارات تم اتخاذاها خاصة فيما يتعلق بالاخ دحلان، وهناك امتعاض ناتج عن الاستخفاف الذي يصل في بعض الاحيان الى حد الاستحقار لقرارات المجلس الثوري بما فيما ذلك قرارات تم اتخاذها في الدورة الاخيرة التي لم يجف حبرها بعد.

صحيح هناك حالة تعاطف كبيرة مع دحلان وفقط اعمى القلب والبصر من لا يشعر بها او يراها او يتجاهلها، هذا التعاطف ناتج بالدرجة الأساسية عن الشعور بالظلم لما تعرض له دحلان، لكن الجميع يعتبر ان مصلحة "فتح" هي في وحدتها والخلافات يجب حلها داخل الاطار الفتحاوي.

ابناء "فتح" الذين يحتفلون بأنطلاقتهم بهذا الحجم وهذا الحماس حيث يتوقع ان يشارك به مئات الآلاف يريدون ان يقولوا لقيادتهم ان "فتح" بدون غزة هي شيء مختلف تماما ويريدون ان يقولوا لابناء شعبهم خاصة لاخوتهم في "حماس" انهم جاهزون لطي صفحة الماضي بكل ما فيها من ألم وفتح صفحة جديدة مبنية على الشراكة والمحبة.

عاشت ذكرى الانطلاقة وكل عام و انتم والوطن بألف خير.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com